الاثنين، 9 أبريل، 2012

مدارس علم النفس



لقد ظهرت لعلم النفس مع تطوره وتقدمه مدارس كثيرة نعرض منها مايلي:

المدرسة السلوكية: أسسها واطسون في مطلع القرن العشرين، وهي مدرسة تنظر إلى الإنسان على أنه آلة ميكانيكية مركبة معقدة، وكانت ترى أن موضوع علم النفس لا بد أن يقتصر على دراسة السلوك الحركي الصريح للإنسان والحيوان عن طريق الملاحظة الموضوعية البحتة، أي دون الإشارة إلى ما يخبره الفرد من حالات شعورية أثناء ملاحظته أو إجراء التجارب عليه، لذا فهي ترفض اصطناع منهج التأمل الباطن رفضا صريحا، ومما تنفرد به هذه المدرسة، فضلا عن ذلك أن تنكر وجود قدرات واستعدادات فطرية، فليست هناك غرائز موروثة أو ذكاء موروث فالذكاء مجموعة معقدة من عادات يكتسبها الفرد أثناء حياته، وفي هذا الصدد يقول واطسون: أعطوني عشرة من أطفال أصحاء أسوياء التكوين فسأختار احدهم جزافا ثم أدربه فأصنع من ما أريد: طبيبا أو فنانا أو عالما أو تاجرا أو لصا، أو متسولا، ذلك بغض النظر عن ميوله ومواهبه وسلالة أسلافه، لذا نجد هذه المدرسة تهتم إلى حد كبير بدراسة عملية التعلم، فموضوع العادات وتكوينها هو المحور الرئيسي لعلم النفس عندها، لكنه بعد المدرسة التي تزعمها واطسون ظهرت السلوكية الجديدة التي جعلت لموضوع التعلم وتكوين العادات مركز الصدارة من بحوثها وأعرضت عن تعاليم واطسون المتطرفة وعن التفسير الآلي للسلوك، كما كانت ترى إمكان دراسة الحالات الشعورية عن طريق التقرير اللفظي الذي يصف به المستبطن هذه الحالات، لكنها لا تحلل هذه الحالات، بل تهتم بدراسة السلوك الظاهر الموضوعي وحده، أي ما يفعله وما يقوله الكائن الإنساني في ظروف معينة.

المدارس الغرضية:  يطلق هذا الاسم على كل مدرسة أو مذهب ينكر أن السلوك يمكن تفسيره تفسيرا كاملا على أسس ميكانيكية، كما زعمت المدرسة السلوكية، وأهم هذه المدارس: مدرسة علم النفس النزوعي التي أسسها ماك دوجل، ومدرسة التحليل النفسي التي أسسها فريد ترى المدارس أن الغايات والأغراض تقوم بدور هام في تحديد سلوك الكائن الحي وتوجيهه، فكل سلوك يصدر عن الكائن الحي إنسانا كان أم حيوانا يهدف إلى غاية ويتجه إلى تحقيق غرض حتى إن لم يكن شاعرا بهذا الغرض، فالطائر الذي يجمع القش لبناء عشه لا يكون من دون شك شاعرا بالغرض البعيد من سلوكه، وهو المحافظة على نوعه، أو حتى بالغرض القريب وهو بناء العش، بل أن الإنسان كثيرا ما يقوم بأفعال لا يكون الغرض منها واضحا في ذهنه، كأن يرفع صوته أثناء الحديث على حين فجأة أو يفضل السير في طريق دون آخر، أو يجد نفسه مدفوعا إلى غسل يديه عدة مرات في اليوم.

المدرسة الجشطلتية: ظهرت هذه المدرسة في ألمانيا في أوائل القرن العشرين على يد فريتمر وكوفكا وكهلر، وتعني كلمة جشطلت بالألمانية الكل المتكامل الأجزاء، أو الصيغة الإجمالية، أو الشكل، برزت هذه المدرسة في وقت أسرف فيه كثير من علماء النفس في تحليل الظواهر النفسية إلى عناصر جزئية، حيث كانوا يحللون مثلا الإدراك على إحساسات جزئية وعملية التعلم إلى روابط عصبية والشخصية إلى سمات مختلفة، فكان من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى رد فعل شديد، وقد كان كذلك، على يد هذه المدرسة التي ترى أن الظواهر النفسية وحدات كلية منظمة وليست مجموعة من عناصر أو أجزاء متراصة رصا فلإدراك أو التعلم أو بناء الشخصية ليس كل منها كالحائط المكون من قوالب ملتصقة بل كالمركب الكيميائي اندمجت عناصره بعضها ببعض، ولو حللنا المركب إلى عناصره تلاشى المركب نفسه.

مدرسة التحليل النفسي:  مؤسس هذه المدرسة الطبيب النمساوي سيغموند فريد، توصلت هذه المدرسة إلى طريقة جديدة لعلاج بعض الأمراض النفسية ثم أصبحت بعد ذلك نظرية ونظاما سيكولوجيا كان له أبلغ الأثر ليس فقط في علم النفس، بل وفي سائر العلوم الإنسانية والاجتماعية من علم الاجتماع والتربية والسياسة والأدب والفن وتاريخ الحضارة الإنسانية وغيرها، وفيما يلي نرد أهم النقاط التي انتهت إليها هذه المدرسة بأدلة قاطعة:

-         توكيدها أثر العوامل والدوافع اللاشعورية في سلوك الإنسان.
-          الاهتمام بدراسة الشخصية السوية والشاذة وتشريحها وتكوينها وعوامل انحرافها.
-          توكيدها الأثر الخطير لمرحلة الطفولة المبكرة، خاصة علاقة الطفل بوالديه في تشكيل شخصية الطفل الراشد وفي تمهيد الطريق للإصابة بالأمراض النفسية والعقلية فيما بعد، وكذلك توجيهها النظر إلى الأهمية النفسية لمرحلة الرضاعة.
-          بسطها مفهوم الغريزة الجنسية ودراسة تطورها من الناحية النفسية وصلة ذلك بشخصية الفرد.
-          تطبيقها المنهج العلمي في تأويل الأحلام وصياغة نظريات ملتئمة معها.
-          كانت من أولى المدارس الحديثة التي أكدت وحدة الإنسان وقاومت الثنائية القديمة للجسم والنفس.
ثم ظهرت بعد ذلك، أي بعد فريد مدارس التحليل النفسي الجديدة على يد فروم وقردينر و هورناي ... غير أنها لا تزال داخل الإطار العام للمدرسة الأم على الرغم من أنها تؤكد أثر العوامل الحضارية أي أنها تهتم بحاضر الفرد وظروفه الراهنة أكثر مما تهتم بماضيه وظروف طفولته وأثر الغرائز وبالخصوص الغريزة الجنسية وغريزة العدوان.

مدرسة تحليل العوامل: يعتبر سبيرمان مؤسس هذه المدرسة وترستون من أشهر ممثليها بأمريكا، تحاول هذه المدرسة الكشف عن أقل عدد من العناصر أو العوامل المستقلة الأولية، أي التي يمكن ردها إلى أبسط منها، التي تتألف منها المركبات السيكولوجية كالذكاء والشخصية، وتعتمد في بحوثها على تطبيق الاختبارات السيكولوجية المختلفة، ومعالجة النتائج بطرائق إحصائية تصل أحيانا إلى درجة كبيرة من الصعوبة والتعقيد.


خلاصة عرض المدارس المختلفة لعلم النفس

وأخيرا نستطيع أن نستخلص من خلال هذا الاستعراض الوجيز لما تختلف فيه مدارس علم النفس من حيث موضوع البحث ومنهجه ووجهة النظر إلى الظواهر النفسية، بيد أن هناك عواملا تجمع بين هذه المدارس كلها وتعمل على التقارب بينها، من ذلك أنها تعمل جميعا في نفس الميدان العام، وهو دراسة سلوك الفرد الإنسان الطفل المراهق، الراشد، السوي والشاذ، كما أنها تعمل جميعا على دراسة الفرد باعتباره وحدة متكاملة، هذا وأن أغلبها يستخدم التجريب منهجا للبحث، وهذا من شأنه أن يقارب بين نتائجها ويجمع بين وجهات النظر التي تبدو مختلفة فيه اليوم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق