الخميس، 26 مارس، 2009

تعريف علم النفس


1 – تاريخ تطور علم النفس :

لقد شغلت البحوث النفسية أنظار الكثير من الفلاسفة منذ القدم، وقلما وجد فيلسوف لم يكن له بحث عن النفس وطبيعتها ، وما حمل الفلاسفة على البحث إلا رغبتهم في بيان القواعد الخلقية التي ينبغي للإنسان إتباعها في حياته.

لقد كان تحليلهم للمواضيع النفسية عميقا، إلا أنهم لم يتمكنوا من تأسيس علم النفس على دعائم علمية .

لقد ألف أرسطو في القرن الثالث قبل الميلاد " كتاب النفس " وكان هذا الكتاب يشتمل على تحليل عميق لكثير من الظواهر النفسية ، إلا أنه كان في بحثه يطبق طريقته الفلسفية ، التي تقوم على تقسيم الموجودات إلى موجود بالقوة وموجود بالفعل .

ومن بين الظواهر التي شغلت الفلاسفة ظاهرة الفن ، وظاهرة الأحلام ، بالنسبة للفن فإن أرسطو يرى بأن الفنان ينبغي أن يكون متأثرا هو نفسه بالأحداث الواقعية ومنفعلا بها حتى يستطيع التأثير في الجمهور ، وأن يعيش الحدث بحواسه ومشاعره حتى يتمكن من نقل الواقع كما هو إلى الجمهور ...

وللفن دور في الحياة الأخلاقية والنفسية للفرد ، حيث يرى أرسطو أن لديه قوة تطهير الانفعالات لدى المتفرج بمشاهدة العرض ، فيتحرر من الضغوط النفسية عن طريق التعاطف مع العرض ، فيحقق الاتزان بعد الإرضاء العميق الذي يحس به .

أما عن الأحلام فقد كانوا يرون أن الإنسان يعيش بداخله إنسان آخر ، فالأول يعيش في النهار والآخر في الليل، وعندما يعود الذي يعيش في الليل يخبر صاحبه بما كان في حياته الليلية، وعندما يذهب ولا يعود يموت ذلك الإنسان، ولذلك كان بعضهم يعمد إلى وضع حسكة في أنفه حتى لا يموت .

أما بالنسبة للعصور المتأخرة ؛ فقد حاول بعض الفلاسفة التجريبيين الإنجليز تأسيس علم النفس على أساس الملاحظة ، إلا أن طريقتهم كانت ذاتية يرجع العالم فيها إلى نفسه فيصف ما يجري فيها من الأحوال الداخلية من هؤلاء الفلاسفة ؛ جون لوك ؛ دفيد هيوم ، جيمس ميل ، توماس برون ، إلا أن أولهم هو جون لوك وقد زعم في كتابه ( الذهن البشري ) سنة 1690 أنه سيتبع في دراسته للنفس مبدأين هما :

1 – أنه سيجعل نفسه موضوعا لمشاهدته.

2 – أن تكون حالة في المشاهدة كحال المشاهد الطبيعي البسيط.

أما علماء الطبيعة فقد أرادوا أن يطبقوا في علم النفس طريقة العلوم الطبيعية في التجريب والقياس، فأسسوا لهذه الغاية مخابر نفسية، واستبدلوا في مباحثهم الطريقة الكيفية بالطريقة الكمية، ويعتبر " وليام فوندت" أول من أسس مختبرا نفسيا في ألمانيا بمدينة " لايبزيغ" عام 1879؛ الذي حاول قياس بعض الظواهر النفسية كالقلق والخوف والغضب، فوجد بعض المؤشرات الفيزيولوجية لهذه الظواهر ؛ كارتفاع ضغط الدم وارتفاع نسبة الأدرينالين واتساع الحدقة ...، ثم انتشرت هذه المخابر في أوروبا والولايات المتحدة .

تعريف علم النفس :

إن كلمة سيكولوجيا كلمة حديثة لم يتفق العلماء عليها إلا في القرن الثامن عشر، ويرجح أن يكون الفيلسوف الألماني وولف Wolf ؛ أول من استعمل الكلمة في كتابه ثم استعملها بعده " كانت " ثم انتشرت في جميع اللغات الأوروبية، والباعث على استعمال هذه الكلمة هو رغبة العلماء في فصل علم النفس عن الفلسفة، حيث كانوا يسمونه " علم الروح " أما كلمة سيكولوجيا فتدل على علم جديد يهدف إلى معرفة قوانين الظواهر النفسية، وهذه التسمية Psychologie من أصل يوناني مركب من كلمتين ؛ Psyché تعني الروح أو النفس Logos وتعني العقل أو العلم.

ومن ثمة كان التعريف المتعمد لعلم النفس هو الدراسة العلمية للسلوك والعمليات العقلية.

هذا التعريف مكن العلماء من بناء تصر لهذا العلم وهو أ علم النفس :

1 – علم يدرس الظواهر النفسية لاستخراج الظواهر النفسية .

2 – يحاول كشف القوانين العامة التي تخضع لها الظواهر النفسية لأن غايتها هي الوصول إلى علاقات ثابتة تربط الأفعال النفسية بعضها ببعض.

إن علم النفس لم يتمكن من الاستقلال عن الفلسفة والتقدم، إلا بعدما تخلت الفلسفة عن فكرة الروح والبحث فيها لصالح البحث في الظواهر السلوكية " يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"

إذن علم النفس يبحث في كل الظواهر السلوكية وكل ما له علاقة بها؛ فهو يحاول الإجابة على السؤال التالي : لماذا يسلك الإنسان كذلك ؟ وللإجابة على هذا السؤال ظهرت عدة اتجاهات نظرية ، نحاول التعرف على بعضها فيما يلي .

1 – الاتجاه العصبي البيولوجي:

يحاول الإجابة على السؤال من خلال محاولة التعرف على عناصر الدماغ التي تكمن وراء سلوك معين عن طريق إثارتها بتنبيهات كهربائية ( خريطة الدماغ لـ برودمان ) .

2 – الاتجاه السلوكي :

ترجع الأصول التاريخية لهذا الاتجاه إلى الأعمال التي قام بها العالم الروسي " بافلوف" حول الإشراط ، ثم تطور هذا الاتجاه مع إسهامات العالم الأمريكي سكينر وأبحاثه حول الإشراط الإجرائي، وباختصار فإن هذا الاتجاه يدرس المثيرات الخارجية والاستجابات المقترنة بها ولايهمه ما يجري داخل الدماغ الذي يسمونه بالعلبة السوداء، ولقد زعم أصحاب هذا الاتجاه؛ أنه يمكن التحكم في السلوك عن طريق مبدأ اللذة والألم .

( مثير ــــــــــــ إستجابة ـــــــــــــ تعزيز ــــــــــــــ سلوك )

3 – الاتجاه المعرفي :

يرى أصحاب هذا الاتجاه أن الإنسان آلة تقوم بمعالجة المعلومات ، وعليه ينبغي دراسة هذه الآلة وما يدور فيها وكيفية عملها، فيدرس مثلا الذاكرة الإدراك والدافعية من رواد هذا الاتجاه

Jean piaget و Henri wallon .

4 – اتجاه التحليل لنفسي :

يحاول هذا الاتجاه الإجابة على السؤال من خلال فهم سيرورات الصراع النفسي اللاشعوري المتراكمة، والتي تكونت تدريجيا مع الطفولة ومرحلة النضج الجنسي، وفي العلاقة بين الأطفال والوالدين وفي تفاعل الفرد مع العالم الخارجي ، من رواد هذا الاتجاه؛ فرويد و أدلر.

5 – الاتجاه الإنساني :

يفسر هذا الاتجاه السلوك الإنساني عن طريق محاولة فهم دوافع الإنسان انطلاقا من ظواهر معينة كما يفهمها الفرد نفسه، باعتبار أن الفرد يتصرف وفق فهمه للموضوع ووفق التصور الذي يبنيه عنه ، ويعتمد هذا الاتجاه أسلوب المحاورة غير المباشرة مع الفرد لكي يتواصل إلى تفسير السلوك، ومن مؤسسي هذا التيار العالم الأمريكي " كارل روجرز " .


الأستاذ : ك. مختار سليم ( أستاذ بالمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية)

هناك تعليق واحد:

  1. أزال أحد مشرفي المدونة هذا التعليق.

    ردحذف