الخميس، 22 أكتوبر، 2009

التربية في القرن التاسع عشر والعشرين



تميزت التربية في هذه المرحلة باستقرار النظريات التربوية على أفكار واضحة تجمع بين الفلسفة و البيداغوجيا وذلك للجهود الجبارة التي بذلها الفلاسفة والمفكرون في القرنين السابع عشر والثامن عشر،فشكلت في القرن التاسع عشر النزعة العلمية كامتداد للحركة الواقعية و النزعة النفسية كامتداد للحركة الطبيعية،كما تشكلت في القرن العشرين النظريات التربوية الحديثة وعلى رأسها النظريات البرجماتية التي نقلت الريادة التربوية من أوربا إلى أمريكا، وهي النظرية التي يمكن اعتبارها التتويج النهائي في القرن العشرين لكل الجهود التي سبقتها على طريق إعطاء معنى أوضح لسيطرة الفلسفة المادية في تفسير حياة الإنسان ، و هيمنة المنهج العلمي، ليس فقط على العلوم ذات الصلة الإنسانية التي ظلت لوقت طويل بعيدة عن هذا المنهج، وسنتناول تطور التربية في هذا العصر على النحو التالي

1- أهم النظريات التربوية

أ ـ النزعة النفسية في التربية : لقد كان لأفكار كانت الأثر الأكبر في ظهور هذه الحركة، التي تعتبر امتدادا للمذهب الطبيعي الذي نادى به روسو ، و رغم التشابه الكبير بين الحركتين في المبادئ و الخصائص، فان الحركة النفسية اختلفت عن المذهب الطبيعي خاصة في بعض الأفكار التي نادى بها روسو في كتابه اميل . من ذلك تأكيدها على أهمية الكتاب إلى جانب الخبرة التجربة، وعلى أهمية بذل الجهد إلى جانب الميل و الاهتمام، وعلى الوسائل الايجابية من أجل تحقيق الأهداف التربوية، ومن أفكارها المحورية في مجال التربية و التعليم ،

إيمان أنصارها بأن التربية ليست عملية اصطناعية يتكلف فيها الفرد بأداء سلوك يرغب فيه الكبار، وإنما هي عملية نمو طبيعية، تنبع من داخل الفرد هدفها إظهار الاستعدادات و القدرات الكامنة فيه، وهنا تتفق هذه الحركة مع أفكار روسو مع التأكيد على استعمال الوسائل الايجابية عوض الاكتفاء بالتربية السلبية كما ألح على ذلك روسو ومن أبرز أنصار هذه النزعة نجد بستالوزي و هربارت و فروبل الذين سنتناول أفكارهم في المطلب المخصص لأعلام التربية.

ب ـ النزعة العلمية في التربية : لقد وجدت هذه النزعة في أفكار روسو سندا قويا، وذلك لما احتوته من توجه علمي في دراسة شخصية الطفل، و تأكيده على أهمية دراسة الطبية المادية و الإنسانية وعلى استعمال الملاحظة المباشرة لظواهر الطبيعية في عملية إكساب الخبرة للأطفال . كما تأثرت هذه النزعة بنظرية التطور العضوي أو البيولوجي التي كان من بين المنادين بها الفيلسوف الألماني هيجل (1770-1831) ، الذي فسر الإنسان و الكون على أنهما مظهران للتطور العضوي، و بلغت هذه النظرية قمتها عند تشارلز داروين (1809- 1882) في كتابه أصل الأنواع الذي نشر سنة 1859، عندما عبر عن التطور بمبدئه القائل بالانتقاء الطبيعي كما تأثرت هذه النزعة بالحركة النفسية السالفة الذكر ومن أهم مميزات هذه الحركة نجد, إيمانها بأهمية العلوم الحديثة في تحقيق سعادة الفرد، و دعوتها إلى مكانة أكبر للعلوم الطبيعية و البيولوجية في المناهج التعليمية لمختلف المستويات ، وتأكيدها على المنهج التجريبي و الملاحظة العلمية و الطريقة الاستقرائية و الاستفادة من كل ذلك في عملية التدريس كما ركزت على محتوى المادة الدراسية و أعطته الأولوية على الجانب الشكلي و طرق التدريس . ومن أهم أبرز أنصار هذه الحركة نجد جورج كومب (1788-1858) و ماثيو أرنولد

(1822-1888) و توماس هنري هاكسلي (1825-1895)، وأشهر ممثليها هربارت سبنسر الذي سنتناول أفكاره في المطلب المخصص لأعلام التربية.

ج ـ النزعة الاجتماعية في التربية : كما أثر روسو في الحركتين النفسية والعلمية كان تأثيره واضحا كذلك على الحركة الاجتماعية في التربية وذلك لما تضمنه كتابه إميل من أبعاد تربوية و اجتماعية بحيث دعا لأن تكون التربية عاملا رئيسيا في تخريج أفراد كرماء و متعاطفين مع بني وطنهم و جنسهم تحقيقا للرفاهية التي ينشدها الإنسان كما تأثرت هذه الحركة بالنزعتين النفسية و العلمية السالفتين الذكر، بحيث أكدت على الجانب النفسي والعلمي، إلا أن تأكيدها على الجانب الاجتماعي هو السمة الأبرز في أفكار روادها و مما يدل على اهتمامها بالجانب الاجتماعي في المجال التعليمي هو اهتمامها الكبير بالعلوم الاجتماعية و ربطها لأهمية العلوم الطبيعية بالخدمة و الرفاهية التي تحققها للمجتمع .و قد اعتبرت التربية عملية نمو الفرد و المجتمع في نفس الوقت ، وهي تهدف إلى تهذيب الأخلاق و تشكيل شخصية الأفراد حسب القيم السائدة في المجتمع .وفي المنهج الدراسي تعلي من شأن العلوم الاجتماعية كالتاريخ و الجغرافيا و التربية الوطنية و علم الاجتماع و علم الاقتصاد، و كل المواد ذات الصلة بتاريخ المجتمع و حضارته و تراثه. وفيما يخص طرق التدريس فقد رأوا بضرورة تعويد التلاميذ على النشاط الجماعي و استخدام الطرق الجماعية من أجل تنمية الروح الاجتماعية و هذا دون إهمال للفروق الفردية، و بهذه تصبح للمعارف المتحصل عليها وظيفة اجتماعية و قيمة نفعية وكان من نتائج ظهور هذه الحركة حل مشكلة التوفيق بين مصالح الفرد و الجماعة، وإعادة الاعتبار للدور الاجتماعي للتربية، ومن أبرز رواد هذه الحركة نجد جيمس كارتر (1795-1849) و هنري برنارد ( 1811-1900) و هوراس مان (1796-1859) و قد مهدت هذه الحركة إلى ظهور النظريات التروية في القرن العشرين و أبرز هذه النظريات هي النظرية البرجماتية في التربية التي نشأت و تطورت في الولايات المتحدة الأمريكية.

د- النظرية البرجماتية في التربية : تشكل النظرية البرجماتية مرحلة متقدمة في تطور الفكر التربوي في المجتمعات الغربية، إذ وجدت في أفكار اليونان و بصفة خاصة هيرقليطس صاحب فكرة لا وجود لقيم ثابتة و كل شيء في تغير مستمر و السفسطائيين و قاعدتهم الشهيرة الإنسان مقياس الأشياء جميعها، منطلقا فلسفيا لمبادئها و ممارستها، كما أنها ذهبت بالمفهوم المادي النفعي للإنسان و محيطه إلى أبعد الحدود متأثرة في ذلك تأثرا واضحا بالمذهب الطبيعي.

لقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية، متأثرة كل التأثر بما يحدث في الجهة الأخرى من المحيط، و لكن بحكم كونها مجتمعا جديدا فان تهيؤها كان أكبر لتبني أفكارا أكثر تحررية، ولا عجب حينئذ أن يكون رواد هذه النظرية في العصر الحديث جلبهم من أمريكا خاصة جون ديوي ووليام جيمس و تشارلز بيرس.

و كلمة برجماتية في أصلها كلمة يونانية هي برجما Pragma و معناها العمل، و أول من استخدمها في العصر الحديث هو تشارلز بيرس ( 1839-1914) و ذلك في مقال له بعنوان كيف نعبر بوضوح عن آرائنا حيث ربط التفكير بالعمل و اعتبر التفكير لا معنى له ما دام لم يقرر السلوك الذي ينتج عنه. و أخذت البرجماتية بعد ذلك دلالات أكثر وضوحا سواء من الناحية الفلسفية أو التربوية عند كل من وليام جيمس و جون ديوي . حيث يرى جيمس أن البرجماتية في جوهرها فلسفة إنسانية بحيث يكون الإنسان فيها هو واضع مثله في ميادين نشاطه، أما جون ديوي فانه يرى بأن الفلسفة لا بد أن تسمي المشاكل التي تبحث فيها و الا فانه لا معنى لها اذ لم تكن تعالج المشاكل الحقيقية التي يواجهها الإنسان.

و بهذا فان الفلسفة عند البرجماتيين لا تعتبر وسيلة للتأمل و التفكير في كنه المادة أو المسائل الميتافيزيقية و إنما تتصل مباشرة بالمشاكل التي يواجهها الإنسان في حياته اليومية . أما من الناحية التربوية فإننا نجد ديوي يعتبر المدرسة من نتائج المجتمع، و من هنا كان من الضروري أن تكون وظيفتها الرئيسية تقديم خبرات عملية و واقعية للطفل بحيث تكون هذه الخبرات وثيقة الصلة باحتياجات و مشاكل الحياة الاجتماعية. وبهذا فان المدرسة لا تشكل جزءا من الحياة الاجتماعية، و من هنا اعتبر التربية هي الحياة نفسها و ليست إعدادا للحياة.

و من أهم المبادئ التي قامت عليها البرجماتية نجد المبادئ الأربعة التالية

- العمل عند البرجماتيين أكثر أهمية من التفكير، فالمعرفة لا تكون فائدتها تامة إذا لم تتوج بعمل، فهي تركز على التجربة أكثر من الكلام وعلى الطريقة أكثر من الهدف، و الطفل يتعلم عن طريق النشاط أكثر من التلقين، و بهذا يعتبر العمل الطريقة المثلى للتكيف مع الوسط و ذلك بالبحث المستمر عن الحلول العملية للمشاكل التي يواجهها الفرد في حياته.

- المنفعة إن الفكرة الرئيسية للبرجماتية تتمثل في كون الحق هو التجربة النافعة لأكبر قدر ممكن من الناس و لأطول مدة ممكنة. و من هنا فهي تخضع الحق و غيره من القيم إلى المنفعة. و بالتالي فان التعليم يعتبر جيدا إذا كان نافعا و يعتبر نافعا إذا مكن المتعلم من حل المشاكل التي تواجهه. و خير عقيدة عند البرجماتيين هي التي يجلب اعتناقها نفعا واضحا للناس، و بهذا نجد الأخلاق عندهم خاضعة للمنفعة ومن ثمة فهي متغيرة و ليست ثابتة، ونسبية وليست مطلقة، وما يطبق على الأخلاق يصلح تطبيقه على التعليم بشتى متطلباته.

- التغير لا تؤمن البرجماتية بالقيم الثابتة أو الأهداف الثابتة، فالقيم تتغير من مكان لآخر ومن زمن لآخر، و الأهداف تتغير حسب ما تفرضه طبيعة كل مرحلة . و لا بد على النظام التربوي إذا أراد أن يكون فعالا و ناجحا أن يجعل أهدافه متصفة بالمرونة و ذلك بجعلها قابلة للتغير كلما تطلب الموقف ذلك.

- الطبيعة الاجتماعية و البيولوجية للإنسان بحيث نظرت للإنسان مجرد كائن يعيش في وسط اجتماعي من أجل تحقيق حاجاته البيولوجية، متأثرة في ذلك تأثرا كبيرا بنظرية داروين في أصل الأنواع.

-أهم الانتقادات الموجهة للبرجماتية و رغم ما أحدثته النظرية البرجماتية من تأثير كبير على الفكر التربوي ، و تحسين واضح في الأداء التربوي، إلا أنه يؤخذ عليه نقائص عدة، خاصة فيما يتعلق بالجانب الفلسفي منها، و يمكننا تسجيل بعض الانتقادات على النحو التالي

- إهمالها للقيم الأخلاقية و الجمالية، بحيث جعلتها نسبية مؤقتة و غير صادقة، و نظرت للحق و الخير و الجمال نظرة نفعية بحتة.

- نزولها بمفهوم العقل من التفكير و التأمل إلى مستوى الذكاء المتعلق بالحياة العملية للإنسان.

- جعلت الحقيقة من صنع الإنسان و بالتالي قللت من شأنها وحدت من أهميتها بحيث أصبحت لا تحتاج إلى جهد كبير في البحث عنها.

- لا توجد لها أهداف ثابتة تحدد القيم التي تسعى التربية لتحقيقها، مما جعلها تحصر نشاطها التربوي في تشجيع الناشئة على التوجه نحو إشباع رغباتهم، و القيام بالنشاطات الاجتماعية، و بالتالي قللت من أهمية الدراسات الأكاديمية و العقلية الجادة.

- تواطؤها مع رجال الصناعة بحيث بنت نظامها التربوي بما يتطابق مع أهداف المصانع و مراكز العمل، مما جعل الإنسان مجرد كائن يروض باستمرار من أجل التكيف مع ظروف العمل.

- قللت من أهمية المعلم و بالغت في إعطاء الدور المحوري للتلميذ، مما أثر سلبا على أداء المعلم و المستوى المعرفي و الأخلاقي للتلميذ.

- جعلت الطفل يكتسب المعرفة بشكل عرضي ، مما أدى إلى تربية لا تقوم على أساس برنامج.

- وجد المربون صعوبات كثيرة في تطبيق طريقتها المتمثلة في طريقة المشروع التي نادى بها وليام كيل باتريك أحد أشهر من شرحوا أفكار ديوي، كما أن اهتمامها بالطريقة طغى على الاهتمام بالأهداف التي أصبحت شيئا ثانويا بالنسبة لها.

ان النظرية البرجماتية في التربية هي خلاصة ما وصل إليه العقل الغربي في تحديد العوامل الروحية و الأخلاقية في تكوين شخصية الإنسان، و على قدر ما كان نجاحها ظاهرا في الجانب البيداغوجي، على قدر ما كانت أفكارها الفلسفية المتعلقة بالقيم في غاية من الخطورة، بحيث أصبح العالم الغربي عامة و المجتمع الأمريكي على وجه الخصوص غارقا في مادية تهدد استقرار حياة الإنسان في كافة المجالات، و تخل بالتوازن المنشود لتحقيق سعادة الإنسان.

2- أعلام التربية

أ- بستالوزي Pestalozzi (1746–1827) تأثر بستالوزي تأثرا كبيرا بأفكار روسو، و حاول أن يجسد أفكار هذا الأخير على أرض الواقع، فأسس لذلك مؤسسة تربوية سماها لونوهوف يقوم مرتادوها و هم أبناء الفقراء بتمويل تدريبهم عن طريق اشتغالهم في غزل القطن و نسجه. لقد كان هذا المشروع مبتكرا، يدل على عبقرية صاحبه، و ان كان مصيره الفشل، فانه فتح أمام صاحبه آفاق النظرية التربوية التي تبناها، و التي تقوم على مبدأ رفض دور التربية في تحقيق عالما مثاليا أو واقعيا، وحصر معناها في كونها فقط شكل من أشكال النشاط الهدف منه تمكين كل شخص من التعرف على فرديته الخاصة من خلال قيامه بعمل إبداعي من تلقاء نفسه، و هكذا نزل بالتربية من التضارب الموجود في المنطلقات الفلسفية، إلى تحقيق نفسه و التغلب على ما يعترضه من مشاكل.

كما سعى إلى تطبيق أفكار روسو على ابنه جاكوب كتعبير منه على شدة تأثره بهذه الشخصية و مؤلفه الذي ظل كتابه المفضل طيلة حياته ، و كان هدفه من ذلك كما كتب في يومياته 1774 التمكن من إعادة وصل ما فصله روسو، و هي عبارة عن ثنائيات عبر روسو عن انكسار التعايش المثالي بينها في أول محاولة، مثل الحرية و القيد، الرغبة الطبيعية و القانون الذي يريده الجميع، تربية الإنسان الحر و المواطن النافع، و يعتبر بستالوزي في هذا المقام الوحيد من بين جميع المتبنين لأفكار روسو الذي حاول أن يجسد اميل على أرض الواقع بالرغم مما يحتويه من مفارقات.

إن بستالوزي شخصية تربوية كبيرة لم تلق حقها من الدراسة و البحث، و ذلك راجع أساسا إلى غزارة علمه، و إلى أفكاره المتميزة، التي كان لها الأثر الكبير على كبار المربين بعده خاصة فروبل و هربارت ، و إن أفكاره التربوية في عمومها لا تخرج عن محورين رئيسيين هما

تأكيده على الجانب النفسي حتى أنه يعتبر عند الكثيرين مؤسس النزعة النفسية في التربية التي سبق تناولها في المطلب السابق.

تأكيده على الجانب العملي ذلك لأنه ربط نجاح التربية بتطبيقاتها العملية، و عمل جاهدا على أن يكون لكل فكرة أو رأي إمكانية التجسيد على أرض الواقع.

و تجدر الإشارة في الأخير إلى أن بستالوزي عاش أغلب فترات حياته في القرن الثامن عشر، و لكنه مع ذلك يعتبر عند أغلب من كتبوا عن تاريخ التربية علم من أعلام التربية في القرن التاسع عشر وذلك لسببين, أولهما أنه عاش فترة لا بأس بها في القرن التاسع ( سبعة وعشرون سنة)، و ثانيهما لأن تصنيف أفكاره ترد في الغالب مع أقطاب التربية في القرن التاسع عشر، خاصة منهم هربارت و فروبل.

ب- جون فرديريك هربارت J.F. Herbart (1776-1841) درس هربارت أفكار بستالوزي و تأثر بها و عبر عن تأثره في رسالتين هما فكرة بستالوزي عن أوليات الإدراك و الانطباع الحسي و العرض الجمالي للعالم كوظيفة أساسية للتربية، و حاول أن يبين فيهما أن أفكار بستالوزي لا تنطبق فقط على المراحل الأولى من التعليم بل تصلح لجميع المراحل . إن هذا التأثر يدل على أن ما قام به هاربارت ما هو في واقع الأمر إلا تكملة لما شرع

في سابقوه.

لقد شكلت أفكار هربارت التربوية تفسيرا عمليا لفلسفته التي كانت لها أبعادا أخلاقية و معرفية تجمع بين المثالية و الواقعية، و بناء على ذلك حدد مفهومه للتربية و الهدف منها و وسائل تحقيقه، ففيما يخص معنى التربية عنده فقد حدده في كونها عملية بناء الأخلاق و تكوين الشخصية المتكاملة، و يرى بأن الإنسان قابل للتشكيل و التربية هي وسيلة ذلك، و ينبغي أن يكون التعليم مستمدا من العقل ومن الطريقة الطبيعية، و حينئذ يسير هذا التعليم وفق القواعد الصحيحة. وقد فسر عملية التعلم بكونها عملية ربط للأفكار الجديدة بالأفكار القديمة في ذهن التلميذ، و يتحقق ذلك بوجود رغبة و ميل من طرف التلميذ، على أن يكون هذا الميل بصفة عرضية ينتهي بانتهاء الموقف التعليمي ، و إنما حتى يكون الميل سليما لا بد أن يكون عميقا في النفس يدفعها للعمل و النشاط و يكون سندا للعقل في الربط بين الأفكار الجديدة و القديمة . كما نجده يعطي أهمية كبرى للانتباه و يقسمه إلى نوعين أحدهما بدائي أصلي و ميزته البساطة ويغلب وجوده في الطفولة المبكرة مثل الانتباه في للألوان و الأصوات ... و الآخر هو الانتباه الترابطي و يحدث حين تكثر أفكار التلميذ و مدركاته حتى يصبح عاجزا على الانتباه لها في نفس الوقت ،

و هنا سيقتصر على توجيه انتباهه للأشياء التي لها معنى عنده والتي لها ارتباط بما يوجد عنده من خبرة سابقة،

وهذا النوع الأخير هو الذي يعطيه الأهمية القصوى في التعليم .

و هكذا يتحدد معنى التربية عنده في كونها تلك العملية التي تراعي خصائص المتعلم و تنطلق من تلك الخصائص في تشكيل شخصية و تحقيق الأخلاق و المعرفة، و هي العناصر الرئيسية الموجودة من العملية التربوية . و بهذا يتحدد هدفه من التربية في كونها أداة تكوين الأخلاق الحسنة و غرس روح الخير و الفضيلة في نفس التلميذ.

و يرتبط تحقيق هذا الهدف الأساسي بهدف آخر هو تحقيق النمو التام المتكامل و المنسجم، فالهدف من التربية عنده إذن له بعدان بعد يتعلق بالأخلاق و بعد يتمثل في النمو، و هما هدفان مرتبطان لا يمكن الفصل بينهما

و تحقيقهما يعني تكوين الشخصية السليمة التي تحقق الخير لذاتها و لمجتمعها. و يدخل ضمن تحقيق هذين الهدفين مجموعة من الأهداف الجزئية، منها ما يتعلق بالهدف الأول مثل الحرية الباطنية، الرقابة الذاتية، النية الطيبة نحو الآخرين، المشاركة الوجدانية، احترام السلطة و القانون، الرغبة في التعاون، التحكم في الميول العدوانية، التوافق بين العقل و العاطفة، و بين الحاضر و الماضي، و بين واجباته نحو الخالق و نحو الناس مؤكدا في ذلك على مبدأ الوسطية في الأخلاق كما نادى بذلك أرسطو. و هكذا لم يكتف هربارت في تأكيده على الأخلاق بالجانب المعرفي للفضيلة و إنما أكد على الجانب العملي و اعتبره شرطا ضروريا لا بد من توفره عند المربي مهما كان موقعه أما الهدف الثاني المتمثل في تحقيق النمو المتكامل فترتبط به أهداف جزئية أخرى تتعلق في مجملها بالجانب الذاتي تندرج تحت قسمين بارزين، أولهما تحقيق الميول العقلية المعرفية و تشمل ثلاثة ميول الميل الخيري العملي، و الميل العقلي المنطقي، و الميل الجمالي، و ثانيهما تحقيق الاهتمامات الأخلاقية و الاجتماعية و تشمل هي الأخرى ثلاثة ميول، الميل إلى مشاركة الناس، في الإنسانية و التعاطف معهم، و الميل الاجتماعي، و الميل الديني.

تلك هي أهداف التربية بتفصيلاتها، و لتحقيق ذلك حدد مجموعة من الوسائل تتمثل أساسا في المنهاج الدراسي حيث قسم مواده إلى مجموعتين رئيسيتين، أولاهما مجموعة المواد التاريخية و الإنسانية و اللغوية التي تشمل مواد التاريخ و اللغة و الأدب و الفن و الدين، و ثانيتهما مجموعة المواد العلمية التي تدخل ضمنها دراسة الطبيعة و الجغرافيا والرياضيات . فالمجموعة الأولى من شأنها أن تحقق الهدف الأساسي للتربية و هو هدف أخلاقي .

أما المجموعة الثانية فتحقق الهدف المرتبط به و هو هدف عقلي معرفي، ليحقق بذلك الإنسان معرفة نفسه و معرفة الطبيعة المحيطة به . و لتطبيق المنهج الدراسي بطريقة سليمة ابتكر هربارت طريقة في التدريس تسمى باسمه و مازال لها تأثير إلى يومنا هذا حيث حدد هذه الطريقة بضرورة تقديم الدرس عبر خمسة خطوات مرتبة ترتيبا ضروريا بحيث لا ينبغي الشروع في الخطوة الثانية قبل الانتهاء من الخطوة التي تسبقها، و هذه الخطوات الخمسة هي :

- التمهيد و الهدف منه تمكين التلميذ من مراجعة أفكاره و خبراته السابقة.

- العرض حيث يقدم المعلم المعارف و الخبرات الجديدة بالطرق التي تمكن التلميذ من استعابها.

- الربط و معناه مساعدة المتعلم على تحليل المعارف الجدية و مقارنتها بالمعارف السابقة لتحديد الشبه و الارتباط بينهما.

- تنظيم المعرفة أو التعميم حيث يساعد المعلم التلميذ على استنتاج الأفكار الرئيسية و القاعدة العامة من موضوع الدرس.

- التطبيق و هي تتويج لكل الخطوات السابقة، حيث يتمكن المتعلم من خلال التمرينات من تطبيق المعارف و القواعد العامة التي اكتسبها.

تلك هي أفكار أحد أقطاب التربية الطبيعية، الذي ترك أثرا واضحا في المربين الذين أتوا من بعده مثل كارل ستوي Karl Volkmar Stoy ( 1815- 1885) و تويسكون زيلر Tuiskon Ziller (1817-1883)

ولم يتوقف تأثيره على المربين في ألمانيا وأوربا فقط بل انتقل إلى أمريكا عن طريق الطلبة الذين درسوا في ألمانيا مثل تشالرز دي جارومو وفان ليو وتشالرز ماكمري حيث نشر هؤلاء المربون أفكار هربارت في أمريكا، ووصل تأثير أفكاره إلى حد تأسيس جمعية أمريكية تحت اسم " الجمعية الوطنية الهربارتية "، التي استمرت في نشاطها إلى سنة 1902، لتصبح أفكار هربارت إحدى التمهيدات لظهور النظرية البرجماتية في التربية على غرار مواطنه الألماني المربي الكبير فروبل.

ج- فروبل Frobel (1782-1852) تأثر فروبل ببستالوزي من خلال دراسته لأفكاره و احتكاكه به بصفة مباشرة بعد زيارة قادته لإحدى مدارسه بسويسرا حيث بقي هناك مدة ثلاث سنوات يدرس و يلاحظ كيف كانت تطبق مبادئه و طرقه عمليا في تلك المدرسة، و أدرك بعد ذلك مواطن القوة و الضعف في هذه الأفكار ليسعى إلى تخليصها من شتى النقائص التي لاحظها عليها. و كان من نتائج هذا الاحتكاك أنه فتح مدرسة على نمط مدرسة بستالوزي في سنة 1816، حيث طبق طرقا مستمدة في مجملها من أفكار كومنيوس و بستالوزي و هربارت.

و بقيت هذه المدرسة قائمة حتى سنة 1831. لقد كانت اهتمامات فروبل حتى هذه السنة موجهة بصفة أساسية نحو موضوع الإصلاح التربوي في التعليم الابتدائي و الثانوي وإعداد المعلمين، ليتوجه بعد ذلك إلى الميدان الذي اشتهر به ألا وهو تربية الأطفال في مؤسسات خاصة بهم هي رياض الأطفال، فأسس أول روضة للأطفال في سنة 1837، ثم أخذت هذه المؤسسة في الانتشار لتشمل كافة ألمانيا ومنها انتقلت إلى باقي البلدان الأوروبية وإلى أمريكا الشمالية، لتبقى هذه المؤسسات إحدى أهم المؤسسات التربوية إلى عصرنا الحالي، وهكذا يبقى تأثير فروبل مستمرا رغم انقضاء أكثر من قرن و نصف على وفاته .

أما فيما يتعلق بأفكاره التربوية، فإنه يعتبر التربية " عملية نمو وتطور ورقي نحو السمو والكمال الروحي "، ويشمل هذا النمو جسم الطفل وعقله ووجدانه وروحه، ويتحقق نمو الطفل عن طريق نشاطه الذاتي، الذي يمكنه من التطور والتعلم وتنمية استعداداته وتحقيق ذاته، وقد ربط فروبل جميع جوانب العملية التربوية بالنشاط الذاتي مما يدل على الأهمية القصوى التي منحها له في الممارسة التربوية ، ويخضع النمو عنده لقانونين متكاملين هما: قانون التضاد وقانون الترابط ، فجميع مظاهر الحياة تدل على وجود عناصر متضادة مثل الروح والمادة، الرجل والمرأة... وفي التربية نجد التضاد الأساسي موجود بين الداخل والخارج، أي بين طبيعة الطفل ومحيطه، وحتى يحدث النمو بصفة جيدة لا بد أن يتغلب الكائن الحي باستمرار على الاختلافات الموجودة بين طبيعته ومحيطه، وهنا يتدخل القانون الثاني بمعنى أن هذا التغلب إنما يحدث عن طريق الارتباط بين الأشياء التي يظهر عليها التضاد، وقد حاول فروبل تطبيق هذين القانونين على جميع العناصر المتعلقة بالعملية التربوية.

أما فيما يخص الهدف من التربية فإنه يستمده من المفهوم الذي قدمه لها ، لهذا فإن الهدف الأسمى للتربية هو تحقيق النمو المتكامل الشامل والمترابط الذي يتضمن نمو الجسم والعقل والروح، ونجده متفقا في الهدف من التربية مع كل من بستالوزي وهربارت والمربين السابقين المتأثرين بالنزعة الأخلاقية مثل كومنيوس وجون لوك في التأكيد على الجانب الأخلاقي والروحي وإعطائهما مكانة أساسية في العملية التربوية.

و لتحقيق الهدف من التربية،فإنه يرى بأن المنهج الدراسي ينبغي أن يكون قائما على أساس النشاط الذاتي لتمكين الطفل من تحقيق ذاته، لهذا فإن المنهج الذي اقترحه لرياض الأطفال يتكون من الأنشطة الذاتي الحرة و الألعاب الفردية و الجماعية و التعامل مع الأشياء المادية الموجودة في الطبيعة. و هكذا فإن الأنشطة المقترحة تعتبر ذات قيمة ذاتية لأنها نابعة من دوافع الأطفال و رغباتهم، و هنا تتشكل محطة التقاء بين مختلف أقطاب التربية الجديدة القائمة على محورية الطفل، مثل روسو و بستالوزي و هربارت. إلا أن فروبل أضاف إلى هذه القيمة الذاتية قيما أخرى تتعلق بتنمية القوى الجسمية و العقلية و تحقيق الاستقرار النفسي و تقوية الإرادة و هذا ما جعله يستدرك بعض النقائص الموجودة عند سابقيه، مثل روسو الذي أكد على قيمة المنفعة و بستالوزي الذي أكد على قيمة تدريب الحواس و هربارت الذي أكد على القيمة المعرفية، فخبرات المنهج حسب فروبل ينبغي أن تشمل هذه القيم جميعها.

و ينبغي أن تكون الأنشطة الموجودة في المنهج مرتبة في صعوبتها حسب سن الطفل و مستوى نموه، و هي تشمل الألعاب و الأغاني و الأناشيد و المهن و الحرف اليدوية و الرحلات و الزيارات و مشاهدة الطبيعة و الرسم و التصوير و التعامل مع أشياء مادية كالعصي و المكعبات الخشبية و المشاركة في الاستماع و المناقشة و المحادثة.... و الطريقة التي يراها مناسبة لتطبيق هذا المنهج تقوم على مبدأ الحرية الموجهة و الاختيار و مبدأ التعليم عن طريق النشاط و التطبيق العملي لكل معرفة يتم تحصيلها، و مبدأ الانطلاق من الميول و الدوافع الداخلية، و مبدأ التأكيد على اللعب، و مبدأ ربط المنهج بخبرات الطفل، و مبدأ الوحدة و التكامل في اكتساب الخبرة، إلى غير ذلك من المبادئ التي تأثر بها كبار المربين و جعلوها من الأسس التي بنو عليها طرقهم التربوية مثل مونتصوري و ديوي و كلباتريك و غيرهم من المربين في القرن العشرين.

و قد بنا فروبل أفكاره التربوية انطلاقا من فلسفته في التربية التي تقوم على جملة من المبادئ نجد من أهمها الإيمان بمبدأ التطور العضوي، الإيمان بالتدريج في النمو البشري، الإيمان بالطبيعة الخلاقة للإنسان، الإيمان باختلاف نمو الإنسان عن غيره من الكائنات و الإيمان بخيرية الطبيعة البشرية و خلوها من الفساد.

و رغم ما أتى به من جديد في الفكر التربوي، فإن أفكار فروبل لم تخل من نقائص جعلتها عرضة لجملة من الانتقادات، انصبت بصفة أساسية نحو مبالغاتها في الرمزية بحيث جعل مختلف الأنشطة ذات صبغة رمزية تدل على معاني محددة، فالكرة مثلا ترمز عنده إلى وحدة جميع الأشياء،

و هكذا ما من وسيلة أو مادة إلا و لها دلالة رمزية. و من الانتقادات الموجهة له أيضا نجد المبالغة في التركيز على اللعب و النشاط الحر على حساب تنظيم المعرفة، و نجد كذلك من النقائص خلو الأغاني التي اقترحها من الناحية الموسيقية و التوقيعية، إلى غير ذلك من الانتقادات لا تقل أبدا من القيمة التربوية الكبيرة لأفكاره و من التأثير الكبير الذي أحدثه في كبار المربين الذين أتوا من بعده.

د- أوجست كونت A.Comte (1798-1857) تظهر أهمية أفكار كونت في كونه رائد الفلسفة الوضعية في منتصف القرن التاسع عشر، تلك الفلسفة التي حددت ثلاث مراحل تاريخية للفلسفة، مرحلة الفلسفة الدينية اللاهوتية، ثم مرحلة الفلسفة الميتافيزيقية وأخيرا مرحلة الفلسفة الوضعية، وكما يظهر من خلال هذا الترتيب فإن مستوى الإنسان في التعامل مع الفلسفة يرتفع حسب كونت من مرحلة لأخرى، و هكذا تظهر قمة تفوق العقل البشري في المرحلة الثالثة، حيث عن طريق المنهج العلمي يتم الوصول إلى تفسيرات تجريبية للظواهر الطبيعية.و أهمية هذا التصنيف تكمن في كونه يمثل مرحلة من مراحل الصراع بين الدين و الفلسفة و العلم ذلك الصراع الذي لم يتوقف في تاريخ العالم الغربي برمته، و هذا منذ أن تحولت أوربا من العقل إلى الدين في القرن الرابع الميلادي، و إن كان في كل مرحلة تنتصر فكرة على أخرى، فهي عملية مد و جزر بين رجال الفكر و رجال الدين، و يتميز العصر الحديث بصفة عامة بتحول الانتصار إلى رجال الفكر، على أننا لا ندري هل سيؤول التفوق مرة أخرى إلى الدين أم تبقى الأمور على حالها، و قد انعكست هذه التصورات الفلسفية على أفكار كونت التربوية، بحيث رأى بأن التربية تؤدي إلى إحداث تغييرات عند الفرد على نفس المنوال الذي يحدثه التقدم من تغيير على مستوى الإنسانية بصفة عامة، و من هنا نادى بضرورة إيجاد تربية إيجابية، أي التربية التي تواكب التغيرات الحاصلة في المجتمع بفعل المدنية الحديثة و ما جلبته من تطورات على كافة الأصعدة، و هو ما يدعو إلى تغيير التربية في أوربا ذات الطابع الديني و الميتافيزيقي و الأدبي بتربية أخرى أكثر تحقيقا للحاجات التي يفرضها الواقع الجديد. إن التربية حتى تؤدي هذا الدور لا بد أن تكون قائمة على قاعدة التعليم العلم بمعنى شمولها لأكبر عدد ممكن من أفراد المجتمع، ثم تنتقل إلى الاعتناء بالنخبة التي يمكنها القيام بالدراسات المتخصصة. و حتى تتمكن الفلسفة الطبيعية من إعادة تشكيل النظام المعرفي، لا بد أن تقلص من حجم الفروع المدرسة لتصبح مقتصرة فقط على الأهم منها أي تلك الكفيلة بتشكيل الفكر، ليتم بعد ذلك دراسة الفروع الأكثر تخصصا، أي ضرورة تقديم التربية العامة التي ينبغي أن تكون أساسا لتربية عامة عقلانية، و هي الكفيلة بتجديد النظام التربوي، و هو النتيجة المباشرة لهذه الفلسفة الإيجابية.

إن هذه الفلسفة الإيجابية هي وحدها الكفيلة بتحقيق نظام تربوي يمس جميع الفئات الاجتماعية، وذلك بعد العجز الكبير الذي ظهر في النظام اللاهوتي و النظام الميتافيزيقي، و هي الفلسفة التي بإمكانها الجمع بين ما هو عقلي و ما هو أخلاقي، و إزالة الصراع بينهما الذي شكل الصفة المميزة لنهاية العصور الوسطى.

و فيما يخص أفكاره المتعلقة بالتربية، فإنه يرى بأن التربية الإيجابية ينبغي أن تجعل الذكاء ناتجا عن التنشئة الاجتماعية، وهو ما يسمح بنشر المعرفة على أوسع نطاق، و يقسم التربية على مرحلتين بارزتين من حياة الإنسان.

- المرحلة الأولى تمتد من الميلاد حتى البلوغ،حيث ينبغي أن تتم تربية تحت إشراف الأسرة و هي مرحلة تمتاز بالسلوك العفوي و البريء، و هي مقسمة بدورها على مرحلتين ، تمتد الأولى منهما حتى سن السابعة حيث يكون الاهتمام موجها نحو التربية البدنية و الاعتناء بالجسم و الحواس، و يجتنب فيها أي نوع من التعليم حتى و لو كان تعليم القراءة و الكتابة، و لا ينبغي إعاقة النمو الطبيعي بأي عامل سلبي . أما الثانية فتستمر حتى البلوغ، و تبدأ التربية فيها تنتقل من العفوية و التلقائية إلى النسقية و الانتظام، و ينبغي أن يكون التركيز موجها نحو التربية الأخلاقية و الجمالية، دون التقليل من دور الأسرة فيها.

- المرحلة الثانية و تبدأ من البلوغ لتستمر إلى سن الرشد، و لا تبقى التربية الإيجابية محصورة على الأسرة، بل يتم الانتقال إلى المجتمع ليصبح دور الأسرة تكميليا، و لكن هذا لا يعني أبدا حرمان الفرد من محيطه الأسري الذي يبقى له دور فعال خاصة في التربية الأخلاقية.

إن التربية في هذه المرحلة و ما يليها تمتاز بطابعها النسقي المنتظم، يصبح للمجتمع بمؤسساته التعليمية الدور الأكبر في تكوين شخصية الفرد، و ينبغي أن يكون التعليم قائما على منح الفرص لأكبر عدد ممكن من الناس، ليستجيب لحاجات الفرد و المجتمع. و فيما يخص تنظيم التعليم، فإنه يقترح أربع سنوات لدراسة العلوم التمهيدية مقسمة على مرحلتين تستغرق كل منهما سنتين، تدرس في المرحلة الأولى الرياضيات و علم الفلك، أما المرحلة الثانية فتدرس فيها العلوم الفيزيائية و الكيميائية. ثم يقترح سنة خامسة لدراسة العلوم البيولوجية، ثم سنة سادسة لدراسة علم الاجتماع من أجل فهم المجتمع و التغيرات الحاصلة فيه، ليتم في الأخير الدراسة المنهجية للأخلاق لتحقق التربية الدور الاجتماعي المنوط بها.

إن خلاصة التربية عند كونت سواء في شكلها العفوي التلقائي، أو في صورتها النسقية المنتظمة هي تخريج الإنسان الذي يقوم بدوره الإنساني، سواء في تفاعله مع أسلافه و معاصريه، أو في عمله المتواصل من أجل الأجيال القادمة.

هـ- هربارت سبنسر H. Spencer (1820-1903) :نشأ هربارت سبنسر في أسرة يغلب عليها طابع التحرر و الاستقلال في الرأي، وقد تأثر كثيرا بمحيطه الأسري لذلك كان هو الآخر حاملا للفكر التحرري غير مكترث بالدين و القيم، و قد غلب على أفكاره المنهج العلمي، فكان اهتمامه منصبا نحو جميع الحقائق و تنظيمها. و هذه الصفة المميزة لأسلوب تفكيره انعكست على آرائه في التربية و التعليم. لقد تأثر بالمذهب الطبيعي لروسو لذلك جعل التربية و التعليم وظيفتين طبيعيتين تنسجمان مع قوانين الطبيعة و قوانين النمو التي اعتبرها هي الأخرى مظهرا من مظاهر الطبيعة، و بهذا فإنه يعتبر التربية الصحيحة هي تلك التربية التي تنبثق من الطبيعة و التي تسعى لتمكين الإنسان من الخروج إلى الاعتماد على نفسه بعد أن كان معتمدا على غيره في المراحل الأولى من التعليم. وهدف التربية عنده يتمثل في الإعداد للحياة الكاملة، تلك الحياة التي يكون فيها الفرد مكتسبا لكثير من الصفات المدنية التي تميزه عن الحيوان، و تتضمن محتويات هذه التربية الخيرات و أنشطة الحياة التي تكون لها قيمة واضحة بالنسبة للفرد، معتمدا في ذلك على نفسه و خبرته التي تحصل عليها في مراحل تربيته، وقد جعل كمقياس لقيمة المعرفة مدى مساعدتها للفرد في تحقيق الحياة الكاملة، وقد حدد الأنشطة المؤدية إلى هذه الحياة في خمسة أصناف مرتبة حسب أهميتها كما يلي :

- أنشطة تؤدي إلى المحافظة على الذات.

- أنشطة مساعدة على توفير ضروريات الحياة.

- أنشطة متعلقة بتربية الأطفال و تهذيبهم.

- أنشطة مؤدية إلى المحافظة على علاقات اجتماعية و سياسية مناسبة.

- أنشطة استغلال أوقات الفراغ و تهذيب الذوق الفني.

و قد ارتبط المنهج الدراسي عند سبنسر بهذه الأنشطة، فعلى قدر أهمية النشاط تأتي أهمية المواد الدراسية، لذلك جعل من أهم المواد تلك التي تتعلق بالمحافظة على الحياة و سلامة الجسم، وجعل المواد الأقل أهمية المواد الأدبية و الفنية التي تنفع في استغلال أوقات الفراغ و هي الأنشطة المصنفة في المرتبة الأخيرة من حيث الأهمية. و يحتوي المنهاج الدراسي عنده على مجموعة من المواد، تظهر أهميتها حسب علاقتها بالأنشطة المرتبة في التصنيف السابق، و من بين أهم هذه المواد نجد: الرياضيات، العلوم الطبيعية، الكيمياء و الأحياء،الفيزيولوجيا،علم النفس و علم الاجتماع، علم الأخلاق و علم الدين، العلوم السياسية،التاريخ الاجتماعي و الاقتصادي، و الآداب و الفنون الجميلة...

و قد أعطى سبنسر طرق التدريس أهمية كبيرة في أفكاره التربوية لأنها رأى فيها الوسيلة الكفيلة بتطبيق المنهج الدراسي على أحسن وجه، وقد تأثر في هذه بالمربين الذين رأوا بضرورة قيامها على أسس نفسية، ومن أبرز المربين الذي تأثر بهم نجد بستالوزي، و تقوم طريقة التدريس عنده على مراعاة المبادئ التالية :

السير من البسيط إلى المركب، ومن الغامض إلى الواضح، و من المحسوس إلى المجرد، ومن العملي إلى النظري، التعليم يكون في جو ملؤه المتعة و السرور، طبيعي و خالي من التوتر.

- التركيز على النشاط الذاتي و تعويد التلميذ على الاعتماد على النفس، و تجنب قدر الإمكان طرق التلقين التي تجعل التلميذ في موقف السلبي، و أن تكون المعرفة مرتبطة بطرق توظيفها و تنظيمها.

- إعطاء التلميذ أكبر قدر من الحرية و تجنب العقاب، و في حالة حدوثه فينبغي أن بعيدا عن روح الانتقام و أن يكون قدر الإمكان كجزاء طبيعي وفق المبدأ الذي نادى به روسو من قبل.

- إن طرق التدريس بصفة عامة ينبغي أن تكون قدر الإمكان قائمة على الطريقة الاستقرائية، أي الانتقال من الحقائق الجزئية إلى الحقائق العامة و الكلية.

ذلك هي أهم الأفكار التربوية التي نادى بها سبنسر، و قد بناها على جملة من المبادئ نجد من أهمها ضرورة مسايرة التربية للعملية الطبيعية للنمو، و شعور المتعلم بالسرور و المتعة أثناء تلقيه المعرفة، كما أنه رأى بأن التربية السليمة هي التي توظف النشاط الذاتي للطفل إلى أبعد الحدود، وهي التربية التي تزوده كذلك بالمعارف التي تمكنه من المحافظة على حياته و تنمي ذوقه الفني و تجعل منه مواطنا نافعا، و هي تربية معتنية بالعقل و الجسم معا، كما أنها تربية متدرجة و مراعية لطبيعة النمو.

و قد تعرض سبنسر كغيره من المربين لانتقادات، صبت في مجملها على إنكار بعض الأفكار التي نادى بها من ذلك مبالغته في التأكيد على مبدأ النفعية، و مبالغته في التركيز على المواد العلمية، و أن كثيرا من هذه المواد تناسب الكبار أكثر من الصغار، كما أن الجزاء الطبيعي الذي نادى به لا يناسب المتعلم في كل المراحل، فهو إن كان مفيدا مع الأطفال الصغار فإنه لا يناسب المتعلم في مراحل متقدمة . و رغم هذه الانتقادات فيبقى سبنسر أحد كبار المربين في العصر الحديث و كانت تأثيره واضحا سواء على المربين الذين عاصروه أو الذين أتوا من بعده.

و- وليام جيمس W. James( 1842-1910) : لقد كانت المشكلة التي واجهها جيمس فلسفية بالدرجة الأولى و اعتبر أن مشكلة الفلسفة لا تكمن في المذاهب و النظريات، و إنما في المنهج التي تعالج به المشكلات الفلسفية فباستخدام منهج سليم يمكن معالجة هذه المشكلات معالجة يتم التغلب بواسطتها على الاختلافات المذهبية. و من هنا نادى بالمنهج البرجماتي كبديل للفلسفات القائمة التي انتقدها أشد انتقاد. فقد ثار على الفلسفة التجريبية لما غيبت الدين و الإيمان و أنكرت دورهما في الحياة، و عارض الفلسفة العقلية التي رأى في أبحاثها مجرد مشكلات وهمية و خرافية لا ترقى إلى الواقع الحقيقي للإنسان . إن الحل حسب جيمس موجود في الإنسان و هو مصدر الحكم على الأشياء بالصدق أو الكذب، و أنه لا توجد حقائق خالدة تكون دائما موضوع البحث.

و من هنا لم ينكر بعض الحقائق المرفوضة عند العقلانيين مثل مطالب الإنسان الروحية، إذ مجرد وجود سند لها في التجارب الجزئية يثبت الحاجة إلى دراستها كحقيقة مرتبطة بالإنسان. و هكذا يرفض جيمس الانطلاق من مسلمات فلسفية و يجعل الحياة الواقعية للإنسان المحك الحقيقي الذي يرجع إليه في الحكم على مدى صلاحية هذه المشكلة أو تلك للدراسة، و من هنا فإن البرجماتية هي اتجاه نفعي في دراسة كل ما يتعلق بالإنسان، و بطبيعة الحال تحتل التربية مكانة مرموقة في هذه الدراسات، التي كانت محور أبحاث جيمس وهذا بالإضافة إلى علم النفس، باعتبار أن العلاقة بين هذين العلمين وثيقة وارتباطيه و لا يمكن الفصل بينهما بحال من الأحوال. فالتربية عنده تعتبر مادة فن يكتسب في الفصل الدراسي عن طريق ضرب من الحدس وعن طريق الملاحظة التعاطفية لوثائق و معطيات الواقع. و قد أثنى على هربارت لأنه جسد رجل فن التربية الملم بعلم النفس،و حين يكون رجل التربية عالم النفس، فإن علم النفس و البيداغوجيا يسيران جنبا إلى جنب ولا ينفصلان عن بعضهما البعض، و حتى تكون الطريقة التربوية ناجحة لا بد أن تكون مثقفة مع علم النفس، ورغم أهمية علم النفس بالنسبة للمربي، فإنه ليس واجبا عليه الإسهام في هذا العلم بقدر إحاطته بالحقائق التي يكشفها عن الطفل، فهو وسيلته لعمل تربوي متقن ليس أكثر. وينتصر جيمس في أفكاره التربوية للتربية الجديدة التي ترفض أسلوب التلقين و التركيز على حشو ذهن التلميذ بالمعارف، وتتبنى في مقابل ذلك التركيز على المتعلم باستثارة دافعيته و توجيهه نحو التعلم عن طريق الممارسة و النشاط. وفي هذا الصدد يضع جيمس قاعدة ينبغي أن تهيمن كلية على المربي وهو يزاول نشاطه في الفصل هذه القاعدة هي: "لا يستقبل المتعلم أية معرفة دون التفاعل معهما،ولا يكون له انطباع دون التعبير عنه."فالتفاعل مع المعرفة و التعبير عن الأثر الذي يتركه التعليم ينبغي أن يكون عميقا في النفس، وهو ما يمكن تحقيقه عن طريق النشاط الذي يحقق للتلميذ التفاعل الكامل مع موضوع الدرس.

وينبغي أن يشكل موضوع الدرس فائدة مباشرة ترتبط باهتمامات الطفل، ويثير في نفس الوقت رغبة في نفسه لتحصيله،وقد جعل جيمس من أهم المبادئ التربوية التأكيد على الفائدة التي يجنبها الطفل مع الدرس،ولتحقيق هذا لابد أن تكون الطريقة مشوقة والمادة نافعة، وقد اعتبر منافع الطفل في التعلم مرتبطة بالإحساس، لذا فإن المواضيع الجديدة المثيرة له هي التي تلفت انتباه الطفل، هذا الانتباه الذي يكون موجها نحو ما يفعله المعلم أكثر مما يقوله.وفي المواضيع التي لا يمكن تطبيق طرق النشاط معها،فإن المعلم يحافظ على انتباه التلميذ بالمحافظة على عنصر المفاجأة في الكيفية التي يطبقها لتحقيق هذا الغرض،مثل: تبديل مقاعد مكان جلوس التلميذ، أو إثارة أسئلة تتطلب أجوبة فردية أو جماعية...إن كل موضوع يتلقاه الطفل ينبغي أن يحمل عناصر جديدة،و يدفع إلى أسئلة جديدة،و يجب أن يحدث تغييرا ما في سلوك الطفل.

و خلاصة القول أن جيمس في فلسفته يعتبر برجماتيا يدافع عن المنفعة و يرفع من شأن الإنسان في الحكم على كل ما حوله من سلوك و قيم،وقد انعكست هذه الفلسفة على أفكاره التربوية التي دافع فيها على محورية الطفل في الممارسة التربوية، ليلتقي بذلك مع كبار رواد التربية الجديدة أمثال روسو و بستالوزي و هربارت و غيرهم.

ي- جون ديوي J. Dewey ( 1859-1952): انطلق ديوي في بناء نظرته للتربية من خلال إثبات العلاقة الموجودة بينها و بين الفلسفة، واعتبر التغيير الذي يحدث على التربية من مؤشرات صحة النظرية الفلسفية،ذلك لأنه إذا لم تؤد هذه النظرية إلى تحقيق التغيير فهي نظرية مصطنعة،و في هذا الصدد يقول إذا قبلنا بأن التربية عملية تكوين النزعات الأساسية الفكرية و العاطفية في الإنسان من لقاء الطبيعة و أخيه الإنسان، لا نخشى عندئذ من تعريف الفلسفة بأنها:النظرية العامة للتربية".و يظهر من هذه العلاقة التي يحدثها ديوي بين الفلسفة و التربية ذلك التوجه العملي الذي أخذه في فلسفته،بحيث أن هذه الفلسفة ما لم ترتبط بقيم عملية و نفعية فإنه لا جدوى و لا فائدة منها، فوظيفتها الرئيسية تتمثل في تحديد السبل التي يمكن بواسطتها التحكم في العالم و تحسينه و التقدم به،لا أن ترينا كيف نعرف ماهيته و كنهه،و لهذا كان من الضروري إخراجها من الجدل حول المسائل الميتافيزيقية و المواضيع البعيدة عن التناول العملي،و لم يجد ديوي موضوعا أقرب إلى تحقيق هذا الدور للفلسفة من التربية. وهذه النظرة العملية و النفعية للتربية جعلتها خاضعة لمبدأ التغير و التطور في عالم متغير باستمرار،لتخرج بذلك عن التناول التقليدي القائم على ثبات الأهداف و الوسائل و النظام المدرسي،فكل شيء في تغير و لا بد أن تكون التربية خاضعة لهذا التغير،و علامة مواكبتها هو رفض الثبات في كل شيء.

و هنا نجد أنسنا أمام المشكلة الأخلاقية كما واجهها ديوي،فهي مشكلة ترتبط بالحياة العملية للإنسان و لا ترتبط بالمسائل الميتافيزيقية،و من هنا رأى بأن الأخلاق ينبغي أن يكون مصدرها الإنسان ذاته من خلال خبرته و تجاربه،و لا ينبغي أن تملى عليه من جهة عليا،و بهذا يخالف الأديان السماوية و النظريات الأخلاقية القديمة لتصبح الخبرة وجدها هي التي تقود الإنسان نحو تحقيق حاجاته المادية و الأخلاقية على حد سواء. لتنال الخبرة بذلك نصيب الأسد في فكر ديوي التربوي،حتى أنه جعل مبدأه التربوي قائم على قاعدة ثلاثية هي: " التربية للخبرة، و في سبيل الخبرة و عن طريق الخبرة".و حتى يتحقق هذا المعنى للتربية نجد ديوي يعطي في الجانب العملي للمنهاج الأهمية القصوى للخبرة التي تعني عنده تفاعل مع البيئة بسبب وجود مشكلة ما،يتفاعل في حلها الفكر و الجسد". و هكذا يتحدد مفهوم الخبرة في التغيير المستمر للسلوك حسب المشاكل التي تفرض نفسها على الإنسان،سواء في حياته العادية أو المحيط الدراسي،لتكون الخبرة بذلك قائمة على مبدأي التفاعل و الاستمرارية،وما دام الفعل التربوي المقصود يكون في المحيط الدراسي فإن الخبرة تتحقق بالتدريس وفق طريقة حل المشكلة،وهي عبارة عن خطوات منطقية لتحقيق الخبرة مرتبة على النحو التالي :

- الشعور بوجود مشكلة، و هي مشكلة تواجهه بالفعل و بالتالي لا بد من البحث عن حل لها.

- تحديد المشكلة و ذلك عن طريق دراسة الموقف،و تحليله للوصول إلى عمق المشكلة.

- وضع فروض الحلول،و هي عبارة عن اقتراحات قد تكون حلولا ممكنة للمشكلة.

- تجريب الحلول، بحيث يختبر كل حل مقترح لإثبات صحته أو بطلانه.

-الوصول إلى الحل العملي،وهو الحل القابل للتطبيق و الذي تثبت التجربة صحته.

- إمكانية توظيف المكتسبات في حل مشاكل أخرى.

و هكذا تأخذ الخبرة شكل دورات متواصلة في التعامل مع مشكلات،يصبح حل كل منها دعامة معرفية لحل مشكلة جديدة،فلا وجود لخبرة تبدأ و تنتهي مستقلة بذاتها،بل كل خبرة تقاس فاعليتها بمدى تجسدها في الخبرات اللاحقة.

و بالإضافة إلى مبدأ الخبرة نجد مبدأ آخر هو مبدأ الحرية التي جعل المعرفة وسيلة لتحقيقها،و من هذا كان لزاما أن تكون للفرد قدرة على استخدام حريته في تحقيق الرغبات و الأهداف،و مادام الإنسان كائنا اجتماعيا،فإن الحرية مسألة اجتماعية ذات مظاهر متعددة،و هي تشكل العنصر الأساسي في الممارسة التربوية،و حتى تكون هذه الحرية في الاتجاه الصحيح ينبغي أن تتحقق عن طريق :

" كفاية في العمل و قدرة في تنفيذ الخطط و إزالة الصعوبات".

" قدرة على تغيير الخطط و تحويل سير العمل و تجربة الجديد".

" قوة في الرغبة و الاختبار باعتبارهما عاملان مؤثران في الحوادث".

و بهذا نجد أن ديوي خرج من التناول الميتافيزيقي للحرية،فهو نفسه ينكر أن يكون فيلسوفا ميتافيزيقيا و هو ما جعله يربط حرية الإنسان الغربي بالعلم،و اعتبر أن الإنسان من الناحية التاريخية خاض معركة طويلة ضد هيمنة الدولة و سلطة الكنيسة،و قد تحقق له النصر عليهما و نال حريته،و قد انتهى هذا التغيير إلى عقل جماعي يتمثل في العلوم،ليضع الإنسان ثقته في العقل مصدر العلم و المعرفة و هو وحده الذي يمكنه من تذليل الصعاب و التغلب على شتى مشاكل الحياة.و تعتبر الحرية من أعقد المسائل التي يواجهها الفكر الغربي،ذلك لأنه إذا كانت ثمرة التحرر من سلطة الكنيسة هو استرجاع مكانة العقل،فإن الخضوع للعقل جعل من الصعب التحكم فيه و ضبطه على مواضيع لا تؤدي إلى تفاقم أزمة القيم التي يعاني منها الغرب باعتراف فلاسفته الكبار مثل روجيه غارودي الذي دخل الإسلام و ألكسيس كاربل و غيرهما ممن نبه إلى هذه المشكلة الخطيرة. و في تصورنا أن ديوي بخضوعه للفلسفة الأداتية القائمة على التعامل مع ما يرتبط بالحياة العملية للإنسان و رغم مناداته بالدين الطبيعي،لم يوفق في الخروج من الأزمة الأخلاقية و القيمية التي لحقت بالإنسان الغربي منذ تمرده على الدين و الأخلاق.

و بالإضافة إلى هذين المبدأين الأساسيين نجد مجموعة أخرى من المبادئ التي تقوم عليها العملية التربوية مثل:

- التعليم يقوم على ذاتية الفرد و يركز على جهده من خلال النشاط الذي يمارسه في حل المشكلات التي تواجهه.

- العالم في تغير مستمر و لا بد للتربية إذا أرادت أن تكون ناجعة أن تساير هذا التغير و لا تخضع لمبدأ الثبات و إنما لمبدأ التغير.

-التربية ترتبط بالحياة الحاضرة للطفل، و من هنا ينبغي ألا تشكل المدرسة عامل فصل الطفل عن محيطه،بل يجب أن تدخل في مناهجها جميع النشاطات المتعلقة بالحياة الواقعية للطفل و من هنا جاءت عبارته المشهورة: التربية ليست إعدادا للحياة بل هي الحياة نفسها.

- التأكيد على مبدأ المنفعة و هو نتيجة منطقية لربط التربية بالانشغالات الحالية للأطفال و بالتكيف مع الواقع حسب المشكلات التي يفرضها.

- و هكذا تظهر التربية عند ديوي على أنها ذلك الفعل الواعي التي تقوم به المؤسسات الاجتماعية للتربية، و هي في مجملها ينبغي أن تكون مراعية للهدف الشخصي الذاتي و للهدف الاجتماعي،على أن يكون هذا الهدف وثيق الصلة بالواقع، خاضعا لمتغيراته و محققا لطموحاته، فهي إذا تربية برجماتية أداتية و عملية،و من هذه الأسماء يفضل ديوي تسميتها بالتربية الأداتية لأنها وسيلة تحقيق الفرد و المجتمع على حد سواء.

و قد كانت أفكار ديوي التربوية عرضة لانتقادات عدة،و يمكننا تسجيل أهم الانتقادات التي وجهت له على النحو التالي:

- اعتبار التربية عملية مرادفة للحياة نفسها،و بالتالي إسناد مهمة تشكيل شخصية الطفل للمدرسة وحدها و في هذا إهمال لدور باقي المؤسسات الاجتماعية للتربية، إذ لا يمكن أن تقوم المدرسة بمفردها بأداء المهمة التربوية من كافة جوانبها.

- مبالغته في التركيز على حاجات التلاميذ و ميولهم لتحديد المعارف و الخبرات التي تعمل المدرسة على إكسابها لهم،و في هذا ما يؤثر سلبا على تنظيم هذه الخبرات وفق مقرارات دراسية منسجمة و متكاملة .

- عدم إعطاء المواد الأكاديمية الأهمية المنوطة بها و تركيزه على الطريقة أكثر من محتوى المادة نفسها.

- التقليل من أهمية الأهداف التربوية و إخضاعها لمتغيرات ظرفية مما يجعل العملية التربوية فاقدة للتكوين المتدرج لشخصية التلميذ.

- اعتباره الأخلاق قضية نسبية،تخضع لأحكام الأفراد و ليس للقيم السائدة في المجتمع،و في هذا ما يهدد بالتماسك الاجتماعي و ما يؤدي إلى أزمة في القيم يصعب على المجتمع إيجاد مخرج سليم لها.

و رغم هذه الانتقادات و غيرها مما يمكن تقديمه،فإن ديوي ترك آثارا ليس من السهل محوها أو نسيانها على الفكر التربوي ليس في أمريكا فحسب بل في العالم برمته،و ليس أدل على ذلك من تلك الدعوات التي كان يتلقاها من مختلف الجامعات و الهيئات لتقديم أفكاره و لاقتراح حلول لمشاكل تربوية عانت منها بعض الأنظمة التربوية،فقد دعته اليابان ليساعدها في تنظيم تعليمها ،كما دعته الصين ليحاضر في جامعة بكين،و دعته أيضا الحكومة التركية لمساعدتها في إعادة تنظيم تعليمها.كما كان تأثيره واضحا على كثير من كبار المربين في العصر الحديث خاصة في الولايات المتحدة الأمريكية أمثال كيلباتريك صاحب طريقة المشروع وراندال و إيدمان و تشايلز و هوك و راتنر و غيرهم الذين يعدون من طليعة الفلاسفة الأمريكيين،و في هذا ما يدل على المكانة المرموقة التي نالها بين كبار المربين الذين خلدهم التاريخ.

ك- ماريا منتصوري M. Montessori ( 1870-1952): لقد كانت منتصوري شديدة التأثر بروسو،و أعادت في كتاباتها تناول العديد من المواضيع التي تناولها،و رفضت ما سبق أن رفضته مثل المرضعات و اللفائف و تعليم الطفل المشي قبل الأوان،و لهذا كان من المنطقي أن تكون مبادئها التربوية منسجمة مع مبادئ روسو كما هو واضح في قولها:" من الأهمية بمكان أن نطلق العنان للطبيعة بأكبر حرية ممكنة،فكلما كان الولد حرا في نموه،كلما بلغ بسرعة و فعالية أكبر أشكاله و وظائفه العليا."

لقد أدركت منتصوري كما أدرك قبلها رواد التربية الجديدة أهمية الانطلاق من الطفل،و تجنب الطرق التلقينية في تعليمه،و كانت ترى بضرورة تعميق الميول و مراكز الاهتمام لدى الطفل، و هي لم تكتف بهذا بل أضافت ضرورة تشجيع الانضباط الذاتي و تنمية روح المسؤولية عند الأطفال. و لتطبيق أفكارها التربوية أسست بيوت الأطفال التي ارتبطت شهرتها بها. و كان الأطفال يجدون في هذه البيوت كل ما يروقهم فهي مصممة خصيصا لهم،تتلاءم و سائلها مع خصائصهم،فهي ليست الخزائن و الطاولات و المقاعد فقط،بل هي أيضا الألوان و الأصوات و الشكل المناسب،و يمارس فيها الأطفال المسؤوليات و تمنح لهم الحرية في التغيير و التحسين،و هذا ما جعل الحرية و النظام عنصرين متكاملين،فالطفل يحقق حريته كلما كان منضبطا،كما يدل على ذلك قولها:" إن الشخص المنضبط المحترم للنظام هو شخص سيد نفسه،و قادر بالتالي على إتباع قاعدة حياة."و منتصوري على خلاف كثير من المربين كانت تطبق نظريتها التربوية في هذه البيوت التي أسستها،و بالتالي تمكنت من الوقوف على مختلف الصعوبات الميدانية لتطبيق الأفكار التربوية. و لتحقيق مبدأ التطبيق جعلت المنهاج الدراسي عبارة عن تمارين في الحياة العملية،و كانت هذه التمارين تتضمن أنشطة يقوم بها الأطفال مثل، تمارين في الصبر و الأناة،و في الدقة و المراجعة،و ذلك من أجل تعزيز القدرة على التركيز،و تكون هذه التمارين عبارة عن مهمة يكلف بها التلميذ،و تنتهي بتمارين سكون و تأمل ليتم التحول من التربية الخارجية إلى التربية الداخلية.

و ربط النشاط الخارجي بالتربية الداخلية يؤدي إلى الانضباط الداخلي كما يدل على ذلك قولها:" إن قوام بناء الشخصية هذا هو العمل الحر،المتوائم مع الحاجات الطبيعية للحياة الداخلية،و بالتالي فإن العمل الفكري الحر هو أساس الانضباط الداخلي،فالإنجاز الأكبر لبيوت الأطفال هو تنشئة أولاد منضبطين."و هكذا سعت منتصوري إلى تحقيق الانضباط بواسطة الحرية،فالطفل و هو يمارس نشاطه يوجه دون معرفة نحو هدفه العقلي،و نذكر فيما يلي بعض التمارين التي تخدم هذا الغرض :

يطلب من الأطفال المشي على دوائر كبرى مرسومة على الأرض،تشكل في مجملها سلسلة من الرسوم الجميلة،و يحملون أثناء مشيهم قدحا مملوءا بالحبر الأزرق أو الأحمر، فإذا سال الحبر يدرك الأطفال أن حركاتهم لم تكن منسجمة،و بمثل هذه الطريقة تنمي جميع الوظائف الجسدية.

يطلب من الأطفال و هم معصوبي الأعين،التعرف باللمس على أنواع مختلفة من الخشب،و الهدف من هذا التمرين تقوية الحاسة و زيادة فعاليتها.

يطلب من الأطفال إدخال أسطوانات تختلف في أحجامها،في الفتحات المناسبة لها، مع وجود فتحة فقط لكل أسطوانة،فإذا أراد الطفل في إدخال الأسطوانة في فتحة غير مناسبة،سقطت من يده و يدرك حينئذ أنه أخطأ.

و كانت هذه التمارين تتم جماعيا،لتنتهي بجلسة مناقشة يكتسب من خلالها الطفل معنى الحياة الجماعية عن طريق تلك الألعاب،التي يشعر فيها بحرية كاملة و رغبة كبيرة في ممارستها.

و يظهر من خلال طريقة منتصوري التربوية، أنها حاولت أن تخضع التربية لأسس علمية تقوم على التجربة و الملاحظة، لتبتعد بها عن الفلسفة التي انتقدتها بشدة،بل كانت ضد تدريسها.

من خلال ما سبق يمكننا استنتاج ثلاثة أسس تقوم عليه التربية عند ماريا منتصوري و هي :

- الحرية: التي تعني مراعاة خصائص الطفل و الاستجابة لميوله و حاجاته الأساسية.

- النظام: و هو ناتج عن الحرية كما يدل على ذلك هذا المقطع المأخوذ من قول سبق ذكره " إن العمل الفكري الحر هو أساس الانضباط الداخلي .

- النشاط الذاتي المستقل: فالطفل ليس نتيجة لما قدمه له معلموه،بل بما أنجزه هو بنفسه.

إن التربية حسب منتصوري إذا ما تمت بالشكل المطلوب،فإنها لا تبقى راسخة في عقول الأطفال فحسب، بل تتعدى ذلك إلى التأثير في كل التجارب التي يخوضها لاحقا: لقد آمنت منتصوري بالطاقة البشرية،و أكدت من خلال أبحاثها قدرة العقل البشري على الاستيعاب،حتى جعلت المهمة الرئيسية للتربية تنمية الطاقة البشرية،من خلال استغلال القدرات الكامنة في الأطفال،و هي قدرات تكون في غالب الأحيان غير معروفة للمربين،و إن استغلال هذه القدرات هو الذي يفتح آفاقا لمستقبل زاهر للأطفال.

في نهاية تعرضنا لهؤلاء الأعلام تجدر الإشارة إلى أن الصفة الغالبة على أفكارهم هي تأكيدهم على أهمية المتعلم و ضرورة جعله محور العملية التربوية و الاعتماد على النشاط الذاتي الذي يمكن المتعلم من تطوير خبراته باستمرار. كما تجدر الإشارة إلى أن هذا العصر يعج بالمربين الكبار الذين لا يسمح المقام بذكرهم جميعا،و حسبنا أننا أردنا الإشارة من خلال تناولنا لهذه الكوكبة إلى الثراء و التنوع في الإنتاج التربوي الذي يعتبر الصفة المميزة لهذا العصر، وهو إنتاج نوعي مازال مستمرا إلى يومنا هذا و قائما على نفس الأسس النفسية و البيداغوجية التي نادى بها هؤلاء الأعلام.

المراجع :

1- خالد القضاة: المدخل إلى التربية و التعليم، دار اليازوري العلمية، الطبعة الأولى، عمان 1998.

2- عمر محمد التومي الشيباني: تطور النظريات و الأفكار التربوية، الدار العربية للكتاب، الطبعة الثالثة، طرابلس 1982.

3- صالح عبد العزيز: تطور النظرية التربوية، دار المعارف، الطبعة الثانية، القاهرة 1964.

4- سعد مرسي أحمد: تطور الفكر التربوي، عالم الكتب، القاهرة 1970.

5- ماجد عرسان الكيلاني: فلسفة التربية الإسلامية، دراسة مقارنة بين فلسفة التربية الإسلامية و الفلسفات التربوية المعاصرة، مؤسسة الريان، بيروت 1998.

6- محمد منير مرسي: تاريخ التربية في الشرق و الغرب، عالم الكتب، القاهرة 1992.

7- موريس شربل: موسوعة علماء التربية و علم النفس،دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، بيروت 1991.

8- أحمد فؤاد الأهواني: جون ديوي، ضمن سلسلة نوابغ الفكر الغربي، دار المعارف، الطبعة الثانية،القاهرة 1968.

9- مفكرون من أعلام التربية، مركز مطبوعات اليونسكو، القاهرة، 1996.

الأستاذ : ك. مختار سليم ( أستاذ بالمعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية)



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق