الاثنين، 16 أبريل، 2012

مناهج البحث في علم النفس

مفهوم المنهج: المنهج كلمة مشتقة من الفعل (نهج) أي سلك طريقا معينا ومنه قولهم: طرائق البحث كبديل لمناهج البحث، أما معناه الاصطلاحي فهو: فن التنظيم الصحيح لسلسلة من الأفكار العديدة، إما من أجل الكشف عن حقيقة مجهولة لدينا، أو من أجل البرهنة على حقيقة لا يعرفها الآخرون، أو هو الطريقة التي يتبعها الباحث لدراسة المشكلة موضوع البحث، ويبقى المنهج بصفة عامة الطريقة التي يتبعها الباحث للإجابة عن أسئلة التي يثيرها موضوع بحثه.

ماهية المنهج العلمي: العلم بوجه عام معرفة منظمة لفئة معينة من الظواهر تجمع وترتب بالمنهج العلمي ابتغاء الوصول إلى قوانين ومبادئ عامة لتفسير هذه الظواهر والتنبؤ بحدوثها، وإذا كان المنهج، كما سبق أن أشرنا، هو الطريقة التي يتبعها الباحث للإجابة عن الأسئلة التي يثيرها موضوع بحثه فإن المنهج العلمي يتميز بجمع الوقائع والمعلومات، لكن كيف ذلك؟

أولا: عن طريق الملاحظة المضبوطة التي تقوم على التخطيط والوصف الدقيق وتسجيل الظاهرة تسجيلا منظما، إن الملاحظة المضبوطة لابد أن تكون مقصودة ترمي إلى هدف واضح هو الإجابة عن سؤال معين أو تحقيق فرض معين.

ثانيا: الملاحظة الموضوعية، أي الملاحظة التي لا تتأثر بميول الباحث وعواطفه وانحيازاته وأفكاره السابقة وما يقوله عامة الناس.

ثالثا: عن طريق الملاحظة التي يمكن التحقق من صحتها، أو التي يمكن أن يعيدها باحثون آخرون ويصلون إلى النتائج نفسها.

ويبقى المنهج العلمي دائما هو الفاصل بين ما يمكن أن يسمى علما وبين غيره من أشكال المعرفة، فالطب والفيزيقا والكيمياء وعلم الأحياء، لم تدخل في نطاق العلوم إلا حين خضعت دراستها للمنهج العلمي، وكان كذلك بالنسبة لعلم النفس حيث أنه لم يصبح علما إلا حين بدأ العلماء يطبقون المنهج العلمي في دراسة الوظائف النفسية وفي دراسة السلوك، فإذا كان على سبيل المثال منهج البحث في العلوم الطبيعية يعتمد أساسا على الملاحظة والتجريب، كذلك كان لابد على علم النفس أن يشترك مع هذه العلوم في منهج البحث، غير أن هناك ظواهر ووقائع ينفرد بدراستها علم النفس مثل: الحالات الشعورية الفردية والاستعدادات اللاشعورية وعلى هذا فإن منهجه يختلف في بعض الوجوه عن منهج هذه العلوم، وسنتناول فيما يلي مناهج البحث في علم النفس:

منهج التأمل الباطن (الاستبطان)

ظل الاستبطان، التأمل الباطن، أو الملاحظة الذاتية، المنهج السائد في الدراسات النفسية حتى أواخر القرن الماضي والاستبطان بالمعنى العلمي هو ملاحظة الشخص لما يجري في شعوره من خبرات حسية أو عقلية أو انفعالية ملاحظة منتظمة صريحة تستهدف وصف هذه الحالات وتحليلها أو تأويلها أحيانا سواء كانت هذه الحالات حاضرة كحالة الحزن والغضب التي يظهرها الفرد في اللحظة الراهنة أو ماضيه كأحلام النوم وأحلام اليقظة، ومن أمثلة استبطان الحالات الشعورية الحاضرة كأن تطلب إلى شخص أن يصف حالته وهو يستمع محاضرة جافة أو هو يقرأ كتابا مملا أو أن تطلب إليه أن يصف ما يجري في شعوره وهو يفكر في حل مسألة حسابية، هل يكلم نفسه وهو يفكر؟ هل يرى صورا ذهنية لما يفكر فيه؟ وماذا يشعر حين يستعصى عليه حل المسألة ما؟.

ومن الأمثلة على استبطان الحالات الشعورية الماضية أن تطلب إلى شخص أن يجيبك على الأسئلة الآتية: ما أقدم ذكرى تستطيع أن تسترجعها من ذكريات طفولتك؟ هل حلمت مرة بأنك تسافر على متن طائرة إلى بلد ما؟ وكيف كان شعورك أثناء الحلم؟.

غير أنه وجهت إلى منهج الاستبطان عدة اعتراضات وانتقادات، فقد اعترضت المدرسة السلوكية عن استخدامه بحجة أنه منهج غير علمي، وكانت حجتها في ذلك أن الحالات الشعورية التي تدرس عن طريق التأمل الباطن هي حالات فردية ذاتية، أي لا يمكن أن يلاحظها إلا صاحبها وحده، ومن ثم لا يمكن أن تكون موضوع بحث علمي لأنها لا يمكن التحقق من صحتها فالعلم لا يقوم على الفردي الذاتي بل على الموضوعي العام الذي يشترك في ملاحظته عدة ملاحظين لدى فهي ترفض استخدام هذا المنهج في علم النفس رفضا صريحا.


وترى من جهة أخرى أن موضوع علم النفس يجب أن يقتصر على دراسة السلوك الحركي الصريح للإنسان والحيوان، وما دام علم النفس أحد العلوم الطبيعية فلا داعي لأن يصطنع منهجا خاصا للبحث أو أن يدرس ظواهر تختلف عن ظواهرها.

ومن بين الانتقادات الأخرى التي وجهت إلى منهج الاستبطان أن الشخص ينقسم في أثناءه إلى ملاحظ وملاحظ في آن واحد، هذا من شأنه أن يغير الحالة الشعورية التي يريد وصفها وتحليلها فتأمل الإنسان نفسه أثناء فرحه أو حزنه أو غضبه من شأنه أن يخفف من شدة هذه الانفعالات لأنه يستهلك في تأمله هذا جزءا من الطاقة النفسية التي كانت تستهلك في هذا الفرح أو الحزن أو الغضب، كذلك الحال حين يتأمل الفرد ما يجري في ذهنه أثناء عملية التفكير، فإن المجهود الذي يستنفذه في الملاحظة يجعله أقل انتباها وتركيزا، من أجل ذلك يرى بعض علماء النفس استحالة هذا المنهج لأن الإنسان لا يستطيع أن يطل من النافذة ليرى نفسه سائرا في الطريق، ومن جهة أخرى، إذا سلمنا بأن الشعور بشيء نوع من الاستجابة لهذا الشيء فملاحظة الحالة الشعورية ومعرفتها لا يمكن أن تكون معاصرة للحالة نفسها، وعليه لا يكون الاستبطان في الواقع إلا نوعا من التذكر المباشر للحالة الشعورية التي نلاحظها بل قد يكون نوعا من تذكر الماضي القريب، ومن ثم لا تكون الحالة التي نصفها صورة طبق الأصل من الحالة التي نريد ملاحظتها بل مجرد امتداد لها.

وعلى الرغم من الانتقادات والاعتراضات التي وجهت إلى منهج الاستبطان فإنه قد لا يستغنى عنه الباحث في علم النفس في الكثير من الحالات، ذلك لأنه:

-         يقوم بالدور الأكبر في بعض الدراسات التجريبية حين يسأل الشخص الذي تجري عليه التجربة أن يصف لنا ما يرى أو ما يسمع أو ما يشعر به بعد مجهود ذهني طويل رتيب.
-         إنه الأساس في الاستفتاءات الشخصية إذ يطلب إلى الشخص أن يجيب تحريريا أو شفويا على مجموعة من الأسئلة تلقي الضوء على ما لديه من ميول ورغبات أو مخاوف إلى غير ذلك.
-         إنه أثناء العلاج النفسي يستمع المعالج إلى ما يرويه المريض من مشاعر ومخاوف وأفكار تتسلط عليه وتستبد به فلا يستطيع منها خلاصا ويسترشد ما يرويه المريض في تشخيص مرضه ومساعدته على الشفاء.
-         إن الاستبطان هو الوسيلة الوحيدة لدراسة بعض الظواهر والأحوال النفسية كالأحلام وأحلام اليقظة والحالة الشعورية للشخص أثناء انفعال الخوف والغضب أو ما يجده من سهولة ويسر كلما تقدم في تعلم مهارة من المهارات الكتابة على الآلة الراقنة مثلا.

المنهج التجريبي في علم النفس

يتمثل المنهج التجريبي بوجه عام، في محاولة التثبت والتحقق من فرضية معينة عن طريق مقارنة توقعاتها بالمعطيات الموضوعية التي يتم جمعها بواسطة التجريب، ويقوم التجريب النفساني على الضبط المنظم لكافة أسباب التغيرات التي تطرأ على السلوك، سواء صدرت هذه الأسباب عن الكائن الحي أو عن الوضعية أو عنهما معا، والسلوك هو الذي يشكل الموضوع المحدد لعلم النفس ويتعين في مجموع الاستجابات اللفظية والحركية بوجه خاص التي يظهرها الفرد في وضعية معينة.

وإذا رمزنا إلى السلوك بالرمز (س) وإلى الكائن الحي بالرمز (ك) وإلى الوضعية بالرمز (و) أمكن كتابة المعادلة التالية:

   س = د (ك،و) د = دالة أو محصلة.

وتعني هذه المعادلة التي تشكل الأساس النظري للتجريب في علم النفس، وهو أن السلوك محصلة لبنية الكائن الحي الموجودة في وضعية معينة وبعبارة أخرى نقول إن السلوك يرتبط تبعا لهذه المعادلة بنوعين من العوامل، وهما:

-         العوامل المتعلقة بالكائن الحي.
-         العوامل المتعلقة بالوضعية.
وينبغي أن نشير إلى أن هناك أنماط من السلوك كالأفعال المنعكسة التي ترتبط بصورة أساسية بخصائص الوضعية ذلك أن الفعل المنعكس يشكل استجابة منظمة لمثير معين من مثيرات الوضعية ويكاد ينتفي في توليد هذه الاستجابة دور الفروق الفردية أو خصوصيات الكائن الحي، فمثلا السلوك اللفظي يرتبط بخصائص الفرد بصورة أساسية، فالاستجابة اللفظية تنشأ على الوجه الأرجح بتأثير خصائص الشخص وتكشف عن شخصيته ولا تلعب خصائص الوضعية في توليدها إلا دورا ثانويا.

وعليه يمكننا القول إنه في تحليل السلوك والوضعية والكائن الحي لابد أن نتناول مختلف المستويات للتحليل، فمثلا:
ـ السلوك (س) يمكن تحليله من مستوى مؤشرات فيزيولوجية، ذلك عن طريق تسجيل المؤشرات الفزيولوجية الكهربائية للدماغ والعضلات والجلد والمؤشرات العصبية الحيوية كسرعة التنفس ونبضات القلب ...الخ.

الوضعية (و) تتكون الوضعية من أنواع مختلفة من المثيرات الفيزيائية التي تؤثر على حواسنا كالإشارات الضوئية والصوتية والحرارية ...الخ، كما قد تتكون من أشياء مادية وأفراد ومن العلاقات القائمة بين الأشياء والأفراد، ولا تتحدد الوضعية عند الكائن الإنساني بمعطياتها الموضوعية والفيزيائية فقط بل تتحدد أيضا بالإدراك، أي بالدلالة التي يضفيها الفرد على هذه المعطيات، فالفرد يخضع الوضعية غالبا لعملية تأويل ذاتي تؤثر بدورها في سلوكه ويسعى المجرب في علم النفس بقدر الإمكان إلى تحييد أثر هذا الإدراك الذاتي للوضعية.

الكائن الحي (ك) أو الشخصية التي تتعلق بالكائن الإنساني وهي تركيب معقد فيه خصائص فيزيولوجية وبيولوجية ونفسية واجتماعية واقتصادية وثقافية ويمكن للباحث التجريبي أن يلجأ إلى هذا المظهر أم ذاك من الشخصية لتأويل السلوك الذي يلاحظه كالعمر والجنس والطبع ومستوى الخبرة ...الخ لملاحظة التصرفات المرتبطة بها.

وإذا تحدثنا عن أنماط العلاقة بين الوضعية والكائن الحي والسلوك وجب التمييز بين ثلاثة أنماط رئيسية من العلاقة بين الوضعية (و) والكائن الحي (ك) والسلوك (س).

النمط الأول: تدرس فيه الاستجابات المختلفة للكائن الحي الذي يخضع لتغييرات منظمة في الوضعية، أي ندرس كيفية تغير السلوك تبعا لتغير الوضعيات.

النمط الثاني: تدرس فيه أيضا الاستجابات المختلفة للكائن الحي وكيفية تغير السلوك تبعا لتغير الوضعيات شأنه شأن النموذج الأول، غير أن الباحث يقوم فيه بدراسة بنيوية للعلاقة القائمة بين الاستجابات المختلفة الناشئة عن تغير الوضعية، كأن يدرس مثلا العلاقة بين درجات أداء الفرد في مهمات تعليمية متنوعة، هذه العلاقة التي قد تكشف عن بنية الذكاء عند هذا الفرد، وتتركز الدراسة البنيوية على العلاقة بين (س1) و (س2) و (س3) هذه العلاقة تعتبر الكاشفة لبنية الكائن الحي.

النمط الثالث: يقوم فيه الباحث بدراسة فارقيه، أي أن اهتمامه يتركز على دراسة الاستجابات المختلفة لعدد من الأشخاص الذين يخضعون للوضعية نفسها، أي يدرس الفروق الفردية بين (س1) و(س2) و(س3) التي تنشأ عن الفروق بين (ك1) و(ك2) و(ك3) وتتيح هذه الطريقة مقارنة الأفراد، أي دراسة الفروق الفردية.

مرحل البحث التجريبي في علم النفس

لا بد على الباحث التجريبي في علم النفس أن يمر بالمراحل التالية:

الملاحظة: كما سبق أن أشرنا، فلابد أن تكون الملاحظة منظمة وأن تتيح للباحث وصف بعض الظواهر ويعين العوامل أو المتغيرات التي تؤثر في هذه الظواهر، مع تحديد الوقائع التي يسعى إلى دراستها.

صياغة الفرضيات: تتضمن الفرضية تحديد العلاقة المفترضة بين نوعين من الوقائع، ويمكن استقراء الفرضية أو استخراجها انطلاقا من الملاحظات التي قام بها الباحث وتدعى عندئذ بالفرضية الاستقرائية، كما يمكن استنتاجها من نظرية معينة وتدعى عندئذ بالفرضية الاستدلالية أو الاستنتاجية، وأهم ما يمكن أو يجب أن تتميز به الفرضية هو إمكان البرهنة عليها.

التجريب: يهدف التجريب إلى التثبيت والتحقق من صحة الفرضية وسعي الباحث أثناء التجريب إلى تنظيم وضعية معينة تتيح له ملاحظة تأثيرات متغير أو عدة متغيرات تدعى بالمتغيرات المستقلة على متغير آخر يدعى بالمتغير التابع.

تحليل النتائج وتأويلها: يقوم الباحث خلال هذه المرحلة بترتيب نتائج التجربة وتصنيفها بواسطة الجداول الإحصائية وتعليل هذه النتائج بوسائل التحليل الإحصائي المناسب ومن ثم يقوم بتأويلها.





المنهج الاستقرائي:

يعرف علماء النفس الاستقراء على أنه الانتقال من الخاص إلى العام، أو من النتائج إلى مبادئها، أو من الظواهر إلى قوانينها، وهو بهذا يقابل القياس الذي يتم فيه الانتقال من العام إلى الخاص، والاستقراء نوعان: تام وناقص ففي التام يكون الباحث مطالبا بملاحظة جميع أجزاء الظاهرة المراد البحث فيها، وهذه الملاحظة هي الحكم الكلي الذي يعتبر ملخصا للأحكام الجزئية التي أصدرها على أجزاء بحثه، وعليه يمكن القول: إن هذا النوع من الاستقراء يقوم على دراسة المجتمع الإحصائي دراسة كلية.

أما الاستقراء الناقص يكون فيه الباحث ملزما بملاحظة بعض أجزاء الظاهرة التي يقوم بدراستها، اعتمادا على تمثيل المجتمع الإحصائي ببعض أجزائه، أي أفراده، ويشترط في هؤلاء الأفراد أن يمثلوا المجتمع تمثيلا حقيقيا، لأن الحقيقة التي يتوصل إليها من  خلال هؤلاء الأفراد يمكن تعميمها على كل أفراد المجتمع.

وعليه يمكن القول: إن هذا النوع من الاستقراء يعتمد على العينة العشوائية كما يستخدم في إدارة البحوث والدراسات ذلك لاستحالة دراسة المجتمع في أغلب الحالات، ويشير بعض علماء النفس إلى أنه على الباحث الذي يعتمد على المنهج الاستقرائي أن يلتزم بالمراحل التالية:

-         مرحلة البحث: وفيها يقوم الباحث بالملاحظة والتجربة التي هي مصدر الحقيقة.
-         مرحلة الكشف: وهي مرحلة هامة لأن الغرض من كل بحث هو الكشف عن حقيقة ما.
-         مرحلة البرهان: في هذه المرحلة يبرهن الباحث على صحة ما توصل إليه، فيسوق الأدلة في نسق متدرج ليصل في النهاية إلى إقناع القارئ وإفادته بجديد بحثه.

  المنهج المسحي

المسح هو دراسة عامة لظاهرة موجودة في جماعة معينة وفي مكان معين وفي الوقت الحاضر، أي البعد الزمني الثاني، والمسح إما عام كتعدد سكان دولة ما، أو خاص كتعدد أطفال قرية ما لبناء مدرسة على أساس علمي تكون فيها الوسائل التربوية مدروسة علمية ودقيقة.

وإذا كان المسح يهتم أساسا بالدراسات الميدانية، فهو يختلف عن غيره من المناهج الأخرى من حيث الإمكانات البشرية والمادية أو من حيث جمع البيانات، وعلى هذا الأساس فإن مراحل المنهج المسحي تكون على الشكل التالي:

مرحلة تحديد مشكلة الموضوع المختار: هذا التحديد غالبا ما يكون صعبا خاصة بالنسبة للطالب المبتدأ، وهو ما يجعله يلجأ أحيانا إلى الاستعانة بشخص له تجربة وخبرة في ميدان البحث، ومن المعلوم، فإن الذي يختار موضوع بحثه من تلقاء نفسه يكون أكثر دقة من غيره الذي كلف بإجراء بحث ما، ذلك لأن درجة الرغبة والدافعية تتفاوت بينهما والباحث مطالب بتحديد مشكلة الموضوع تحديدا واضحا، في شكل سؤال يحتاج إلى جواب واضح ومحدد.

مرحلة تحديد الفروض: إن الفروض تخمين مسبق لحل متوقع لذا فعلى الباحث أن يضع فروضا دقيقة واضحة وشاملة لجوانب البحث وقابلة للتجربة.

مرحلة جمع البيانات: إن جمع البيانات أمر هام وشاق فعلى الباحث أن يعد الوسائل المطلوبة والمناسبة لبحثه، ذلك باستخدام الملاحظة والاستبيان أو المقابلة، وقد تجمع هذه الوسائل في إجراء بحث واحد، والباحث مطالب أيضا بضبط هذه الوسائل ضبطا علميا دقيقا يجعله يستفيد من المعلومات بخاصة في بناء الاستبيان حتى يتحصل على معلومات صحيحة يمكن الاعتماد عليها حتى لا يصل إلى حد قد لا يكون هو الأفضل.

مرحلة تحليل البيانات: إن البيانات المتحصل عليها لا تعني شيئا إذا لم تتبع بالتحليل الإحصائي الكمي، وكذا بالتفسير النوعي، لأن النتائج تحتاج دائما إلى ترجمة وتوضيح دقيق، وتكون الرسوم البيانية والجداول الإحصائية مهمة جدا في عملية تحليل البيانات، ذلك لأن البحث العلمي يصل عن إثرها إلى نتيجة تمثل حلا مبسطا يمكن للعام والخاص أن يستفيد منه.



مرحلة استخلاص النتائج: إن هدف الباحث منذ بدء التفكير في إدارة البحث هو الوصول إلى نتيجة تسهم من قريب أو من بعيد في تغير سلوك ما، أو في تغير نمط من أنماط الإنتاج مثلا فإن وجد هذا الباحث نتيجة تجعل من الفرد كائنا متطورا فيها، وإلا يجعل النتيجة مفتوحة لباحثين آخرين قد يسهموا بمناهج أخرى في معالجة الموضوع المطروح للوصول إلى نتيجة أفضل، ويشترط في هذه النتيجة الناجحة أن تكون في قالب مبسط، مفهوم، وقد تصاغ في شكل نظرية يمكن اعتمادها في الميدان المختص إلى أن يأتي البحث الذي يطورها أكثر.

المنهج الوصفي في علم النفس

  
يجمع علماء النفس على أن المنهج الوصفي في علم النفس يهدف إلى جمع الأوصاف الدقيقة العلمية الظاهرة التي تكون موضوع البحث والدراسة في أوضاعها الراهنة، وإلى دراسة العلاقات التي توجد بين الظواهر، وفيما يلي نذكر أهم الطرائق التي يستخدمها هذا المنهج:

الملاحظة العلمية المنظمة: تعتبر الملاحظة العلمية المنظمة العامل الخصب للحصول على معلومات وبيانات تتصل بالسلوك الفردي أو الجماعي، وهنا يهتم الباحث بدراسة الوضع الحالي، الراهن، للظاهرة وتحديد طبيعة الظروف والممارسات والاتجاهات السائدة، أي تحديد الأوصاف الدقيقة للأنشطة والأشياء، كما يتضمن هذا المنهج الملاحظة المباشرة للأفراد والجماعات في المواقف الاجتماعية وتسجيلها تسجيلا دقيقا، لذلك يتطلب من الباحث استخدام وسائل خاصة دقيقة لتسجيل وتحديد ملاحظاته، وقد تكون هذه الملاحظة العلمية خارجية أساسها المشاهدة الموضوعية والتسجيل الدقيق للأشخاص أو لمظاهر سلوكية معينة.

    
وقد استخدام بياجي هذه الملاحظة العلمية الخارجية وساعده جيزل بالتصوير لرصد حركات الطفل ومظاهر سلوكه في مواقف وفي فترات مختلفة ... كما يمكن أن تكون هذه الملاحظة العلمية داخلية ذاتية وهي ليست دقيقة ولا علمية، مثلها بالتقريب كمثل الملاحظة العرضية التي تأتي بالصدفة، أو التي نقوم بها عن غير قصد في المنزل، في المدرسة، في النادي ...الخ، وتصدر عنها أحكاما ونكون اتجاهات وآراء اعتمادا على الصدفة لذلك وجب الحرص على عدم تعميمها على كل الناس، غير أنها قد تنمي بصيرتنا وتثري السلوك، ويشتمل المنهج الوصفي على الدراسة المسحية التي هي عبارة عن محاولة لجمع الأوصاف المفصلة عن ظاهرة ما قصد استخدام البيانات لتأييد الظروف أو الممارسات الراهنة الحالية، أو لنقل تخطيطات أكثر دقة بغية تحسين الظروف والعمليات السلوكية والتي يكون الهدف منها كشف الوضع القائم وتحديد كفاءته عن طريق المقارنة بمستويات أو معايير تم اختيارها على نطاق واسع أو ضيق.

ويستخدم الباحثون في الدراسة المسحية للوصول إلى الرأي العام الاستخبارات والاستفتاءات، وهي أسئلة تدور حول موضوع معين أو موقف معين، وعلى الفرد أن يجيب عليها ويبدي رأيه فيها شفاهيا أو كتابيا، كما يستخدمون طريقة التقدير الذاتي التصنيفي التي اقترحها ستيفنسون حيث ذهب به الحد إلى القول أنه يمكن أن ندرس بطريقة علمية اتجاهات الأفراد وتفكيرهم وتفاعلهم الاجتماعي، وكل ما يعتبره هو ذاتيا بالنسبة له.

وقد نتكلم في هذا الصدد عن الدراسة التطورية التي يهتم بها المنهج الوصفي في دراسة العلاقات المتبادلة، والتي تتناول الوضع القائم للظواهر والعلاقات المتداخلة بين بعضها البعض، والتي تصف المتغيرات التي تحدث في مجرى تطورها خلال مدة زمنية معينة وترصدها وتحللها، وهنا يستخدم الباحث إحدى الطريقتين الطويلة أو المستعرضة.

الطريقة الطويلة: تعرف هذه الطريقة التتبعية وهي من أقدم وأبسط الطرائق في العلوم الاجتماعية وفيها يتتبع الباحث النمو النفسي من كافة مظاهره لفرد أو لجماعة من الأفراد في مختلف الأعمار طوال فترة زمنية معينة، وقد تمتد الفترة الزمنية التي يتتبع فيها الباحث الفرد نفسه إلى عشر سنوات أو أكثر في أغلب الأحيان، أي أن الباحث يتتبع النمو وتطور تغيره على أفراد معينين في الأعمار المتتابعة المتلاحقة بالنسبة لمظاهر النمو المختلفة، لذلك توصف هذه الطريقة بالطريقة الطويلة.

ومن أشهر الدراسات الطولية التتبعية المعروفة هي دراسة لويس ترمان، حيث تتبع النمو العقلي لجماعة من الأطفال المتفوقين لمدة ثلاثين سنة، ليدرس أساليب نمو الأطفال الأذكياء والتطورات التي تطرأ على حياتهم، ومن أهم ما توصل إليه اعتمادا على هذه الطريقة هو تتبع مظاهر النمو وملاحظة ما يطرأ عليها من تغير، وما يؤثر فيها من عوامل بيئية أو غير بيئية، وهي تستغرق الوقت الطويل حيث يتمكن الباحث الحصول على معلومات ذات قيمة علمية.



الطريقة المستعرضة: هي الطريقة التي يدرس فيها الباحث متغيرات مظاهر النمو المختلفة في عينة كبيرة العدد في سن معينة، وهنا يطبق الباحث على العينة وسائل يحصل بها على المعلومات والبيانات الخاصة بمظاهر النمو في هذه السن، بحيث يحصل على الصفات والسمات العامة التي تميز النمو في هذه السن.

وتعتمد هذه الطريقة على الاختبارات والمقاييس الدقيقة التي تنصب على قطاع مستعرض في النمو، وقد يأخذ الباحث في حالات أخرى عينات من الأفراد في سنوات مختلف ويتبع معها الطريقة نفسها ويمكن أن يتم هذا في وقت واحد، أي تدرس النمو في جماعة مماثلة في السن، ولتكن على سبيل المثال السادسة وجماعة أخرى في سن السابعة وجماعة ثالثة في سن الثامنة ... وهكذا، ومن الذين استخدموا هذه الطريقة بياجي في دراساته اللغة عند الأطفال في الأعمار الزمنية المختلفة.

والواقع أن الطريقة الطويلة والمستعرضة طريقتان متكاملتان يستعين بهما كل باحث في دراسة الموضوع الواحد.

المنهج العيادي في علم النفس

تستعمل كلمة العيادي في المجال الطبي وفي اللغات الأجنبية للإشارة إلى جملة المعارف التي تكتسب عن طريق ملاحظة المرضى دون الاستعانة بوسائل البحث أو الضبط العلمي، وبهذا المعنى تتمايز العيادة عن المخبر، كما يتمايز المنهج العيادي عن المنهج التجريبي، أما في مجال علم النفس فقد برز المنهج العيادي في البداية كرد فعل على التجارب المخبرية التي افتتحها فونت، فيبر وفخنر.

ويكون أول من استعمل في بداية القرن الماضي عبارة المنهج العيادي العالم النفساني الأمريكي ويتمر حيث قام بدراسة معمقة للاضطرابات الذهنية لدى الأطفال، واعتبر بذلك أن للمنهج العيادي غايات عملية تكمن في علاج ووقاية حالات التخلف العقلي لدى الفرد واهتم بعد ذلك بشكل خاص بالأطفال الذين يعانون من صعوبات مدرسية، كما اهتم أيضا بتحليل هذه الصعوبات وأسبابها الممكنة وذلك بتركيز البحث على المجال المعرفي.

ويرى ويتمر أنه يمكن انطلاقا من هذه الفحوص الفردية الوصول إلى بعض التعميمات التي تأخذ شكل التصنيفات للاضطرابات الذهنية.

وفي سنة 1909 برز أيضا في الولايات المتحدة اتجاه آخر بقيادة العالم الأمريكي هيلي مدير مؤسسة الأحداث الجانحين، قام هيلي بتقنين بعض الروائز وكان شديد التأثر بالنظرية التحليلية فارتكز منهجه العيادي على دراسة الدوافع والحياة العاطفية والانفعالية لدى الأفراد.

من هذا نستنتج أنه برز مع ظهور المنهج العيادي في مجال علم النفس تياران رئيسيان هما:

-         تيار ويتمر الذي اهتم بالجانب المعرفي الذهني.
-         تيار هيلي الذي يرتكز على الجانب الانفعالي العاطفي.

غير أنه اليوم، هذا التمايز القائم بين هذين التيارين لم يعد قائما، ذلك أن المنهج العيادي يذهب إلى أن يتصف بأكبر قدر ممكن من الشمولية وأنه يتناول دراسة الفرد بوصفه وحدة شاملة لا تقبل التجزئة.

وتجاوز من جهة أخرى وبشكل تدريجي حدود ميدان نشأته ليطبق في دراسة السلوك المتكيف والسلوك غير السوي، وتحول بذلك من طريقة خاصة بميدان من ميادين علم النفس إلى منهج للبحث من شأنه أن يوسع المعلومات النفسانية العامة، وكما لم يعد النفسانيون يتبنون هذا المنهج  اتجاه المرضى، بل أخذوا يتبنونه اتجاه الأسوياء.


وحوصلة القول أن هذا المنهج يعتمد على الملاحظة المعمقة للأفراد الذين يواجهون مشاكل معينة والتعرف قدر الإمكان على ظروف حياتهم بغية الوصول إلى تأويل كل واقعة في ضوء كل الوقائع الأخرى، ذلك أن الكل يشكل مجموعة دينامية لا يمكن تبسيطها دون تشويهها وبترها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق