الأربعاء، 4 أبريل، 2012

الشعور واللاشعور



تعريف الشعور: يعرف علماء النفس الشعور على أنه الحدس النفسي الذي نطلع به على حالاتنا الداخلية،  وأشار هاملتون إلى أن الشعور هو معرفة النفس بأفعالها وانفعالاتها.

فالشعور إذن معرفة مباشرة أو حدس نفسي يكشف به الإنسان بطريقة مباشرة لما يجري في نفسه من عمليات عقلية كالأفكار والذكريات والعواطف ويدرك عن إثره ألوانا وأشكالا وموجودات والذكريات الخارجية، وللشعور عدة صور نذكر منها ما يلي:

الصورة التلقائية: من المعلوم فإن الحالات النفسية تظهر في الشعور التلقائي بشكلها الطبيعي المجرد من الفعل التأملي فالخوف والغضب والإطلاعات الناشئة مباشرة عن الحواس، والانفعالات الخالية من التفكير والتأمل هي من مظاهر الشعور التلقائي، وهي ظواهر متصلة خالية من الوضوح يشترك فيها الحيوان والطفل والراشد.

الصورة التأملية: في هذا الصدد نقول إن الإنسان إذا راجع نفسه وتأمل ما تنطوي عليه من مشاعر مبهمة ورغبات غامضة، وإذا أمعن النظر فيها حتى تصبح صورها بينة وحقائقها واضحة شبيهة بصور العالم الخارجي كان شعوره هذا شعورا تأمليا، وبهذا المعنى يكون الاستدلال والتفكير وسائر الأحوال الداخلية التي يصاحبها انتباه إرادي هي من حالات الشعور التأملي.

وما نستطيع قوله في هذا الصدد هو أنه يمكن لحالات الشعور التلقائي أن تكون انفعالية أو عقلية أو فاعلة، أما حالات الشعور التأملي فلا تكون إلا عقلية، وتولد الحالات الشعورية بصفة عامة في الفرد إدراكا لذاته، فإذا أحس مثلا بألم استطاع أن يفكر فيه، لكن الفكرة في حد ذاتها ليست ألما إنما هي حالة عقلية، لذلك يكون الشعور التلقائي بسيطا والتأملي مركبا لأنه رجوع إرادي إلى العقل، بل هو شعور الإنسان بنفسه الشاعرة، وهو مبني على الشعور التلقائي حيث أن نسبة الشعور التلقائي إلى التأمل كنسبة الإحساس إلى الإدراك ووظيفته في إدراك الحياة الداخلية كوظيفة الإحساس إلى إدراك العالم الخارجي والغريب أن شدة الأحوال النفسية هي معاكسة لوضوح الشعور التأملي بحيث كلما كان الألم أخف كلما كان تأمله أوضح، وكلما كان أشد وأقوى كلما كان إدراكه أظلم والسبب في ذلك هو شدة الانفعال تشوش النفس وتعكر صفو التفكير.

   


ولذلك كان الشعور التلقائي أكثر نموا من الشعور التأملي لدى الأطفال لأن حياتهم قد تكون عرضة للاضطرابات الشديدة وللانفعالات المفاجئة، وهم لا يستطيعون التروي في أحكامهم ولا التبصر في أعمالهم، وكلما ارتقى الفرد إلى درجة أعلى كلما كان أكثر شدة في التحكم على تهيجاته، فيسيطر على شهواته ويهذب ذوقه وتستقيم أفكاره ومشاعره.

صفات الشعور: وصف وليام جيمس وهنري برغسون الشعور بأنه أشبه شيء بسيال دائم الحركة مثل الشعور الذي تنطوي عليه النفس كالغيوم الدائمة الحركة، والإنسان إن حاول أن يحافظ على السكون والثبات فإن نفسه لا تثبت على حال واحدة بل تتغير على الدوام لأن بقاء الفكر على حال واحدة هو بطلان الفكر، ووقوف النفس عن التغير هو فقدان النفس، فكيف يستطيع أن يبقى على حال واحدة وهو في كل لحظة يتغير وينتقل من شيء إلى أخر، من حالة إلى أخرى من الظلمة إلى النور، ومن النوم إلى اليقظة، ومن الحزن إلى الفرح وهنا يقول وليام جيمس: كثيرا ما ننتقل من إحساس سمعي، ومن حكم إلى عزم، ومن ذكرى إلى أمل، ومن حب إلى بغض ... ويختلف إدراكنا للأشياء بحسب ما نكون أيقاظا أو نعاسا جياعا أو شبعا، في الراحة أو في التعب فيتبدل شعورنا بالأشياء بين عشية وضحاها، أو بين الصيف والشتاء أو بين الطفولة والشباب ...

ليست الحياة النفسية مركبة من أجزاء متجزئة، ولا هي سلسلة منظمة من حالات جزئية ملتصقة بعضها ببعض، وإنما هي كتلة روحانية لا نستطيع أن نتبين أطرافها ولا نطلع على أجزائها بوضوح تام، وقد تزداد هذه الحياة وضوحا أين يكتشف فيها الباحث عددا لا متناهيا من الأشكال، غير أنها تكون مشتبكة ويتقدم فيها الحسي المركب على البسيط المجرد، وهذا يدعو إلى تغيير الحياة النفسية من حال إلى حال ولولا تغيرها واختلافها لكانت حياتنا ومشاعرنا مبهمة غامضة، فنحن لا ندرك قيمة الصحة، بل لا نشعر بها إلا عند أو بعد المرض، ولا نعرف طعم اللذة إلا بعد الألم ... فجميع مشاعرنا خاضعة لقانون النسبية، ولو بقيت الإحساسات على نمط واحد لضعف الشعور بها لأن الحركة شرط من شروط الحياة، فبقاء الإحساس على حال واحدة داع إلى الركود وانقلابه إلى عادة والعادة تخفف من الشعور ...

طبيعة الشعور: تساءل الكثير من الفلاسفة والباحثين عن حقيقة الشعور، وكانت أسئلتهم المطروحة، هل الشعور قوة مفارقة للظواهر النفسية أم هو صورة ملازمة لها؟ وهل الشعور مستقل عن الظواهر النفسية؟

وما نستطيع قوله في هذا الصدد هو ليس بجديد، ذلك لأن الشعور لا يكون قوة مستقلة عن الظواهر النفسية، وإنما هو الذي يعبر عنها على الدوام، فنحن نتكلم ونفكر ونرغب ونريد ونشعر في الوقت ذاته بهذا التفكير وبتلك الرغبة والإرادة، وقد قال ستيوارت ميل: ليس الشعور والإحساس شيئين مختلفين وإنما هما اسمان لشيء واحد فإذا استخدمنا كلمة شعور بدلا من كلمة إحساس فلن نزيد على كلمة إحساس أي شيء آخر، وكذلك إذا فكرنا أو شعرنا بأننا نفكر فإن الأمرين شيء واحد.

وذهب القول ببعض الباحثين إلى أن الشعور ليس قوة مفارقة للظواهر النفسية حيث قال أحدهم: إن ألامنا ومخاوفنا وكل إحساساتنا وانفعالاتنا وأفكارنا تجري أمام الشعور كما تجري مياه النهر أمام عيني المشاهد الواقف على شاطئ، لكن كيف يختلف الرائي عن المرئي، فيقول: إنهما إذا اختلفا في إدراك العالم الخارجي، فإنهما لا يختلفان في إدراك الشعور لأنه لا فرق بين حدوث الرغبة والشعور بها ولو كان الأمر عكس ذلك، أي لو كان الشعور مفارقا للظواهر النفسية لما اتصلا أبدا ولكانت العين التي ترى مختلفة عن الشيء المرئي، وقال أرسطو منذ القدم: إذا سلمنا بوجود حاسة ثانية تحس بها الأولى لزم عن ذلك الذهاب إلى اللانهائية أو الوصول إلى حاسة تدرك نفسها بنفسها، فلماذا لا نسلم إذن بوجود هذه الخاصة للحاسة الأولى.

ويتضح من ذلك أن الشعور ملابس للظواهر النفسية، وهي صورة من صورها وصفة من صفاتها ولولاه لما أمكن الإطلاع على ما تنوي عليه النفس، وفي هذا الصدد قال دافيد هيوم: أما أنا فإني كلما دخلت إلى أعماق نفسي كاشفة عن إدراك جزئي واحد أو عن غيره من الإدراكات كإدراك الحرارة والبرودة والنور والظلمة والحب والبغضاء والألم واللذة، فلا أستطيع أن أكشف عما في نفسي إلا بالإدراك ولا أستطيع أن أشاهد شيئا فيها غير الإدراك.

وعليه نقول إن عدم إدراك الشيء لا يدل على فقدانه، فهل يمكن تشبيه الحدسيات النفسية بالحدسيات الحسية الخارجية؟ وكيف  يمكن أن يستمر بقاء الظواهر النفسية إذا زال الشعور بها؟ وهذا ما سوف نتناوله في نظرية اللاشعور.

درجات الشعور: يذهب بنا الحديث في أوله إلى أن المشاعر تستيقظ في الانتباه الشديد، وتخبو في حالة الذهول كأن الانتباه نور والذهول ظلام، فالنور المنبثق من الشعور يختلف باختلاف اللحظات، فتارة يكون واضحا وتارة أخرى يكون مظلما، والإنسان لا ينتقل من حالة إلى أخرى إلا إذا مر بجميع الأحوال، وقد سمى ليبنتز هذا القانون بقانون الاتصال الطبيعي، والانتقال الفجائي من ضد إلى آخر مخالف للعقل، فكما أنه ليس بإمكان درجة الحرارة أن تهبط من 100 إلى 50% إلا إذا مرت بجميع درجات المتوسطة، كذلك ليس بإمكان النفس أن تنتقل من إدراك ضعيف إلى إدراك شديد إلا بالتدرج، لأن كل إدراك هو مجموعة إدراكات جزئية، ومن العواطف ما هو شديد، ومنها ما هو ضعيف، ومن الأفكار ما هو واضح، ومنها ما هو غامض، وعليه شبه بعض العلماء الشعور بأشعة النور المنعكسة على سطح مظلم بحيث يكون هناك مركز واضح وأطراف غامضة، وهناك ظل وشبه ظل ونور وكلما قرب الشيء من مركز الشعور المنير ازداد وضوحه وكلما ابتعد عنه خف نورة حتى إذا انتقل إلى الظل صار ظلاما قاتما.

لذلك قال أحد علماء النفس: إن للشعور طبقات مختلفة، فبينما أنا أفكر في حل مسألة أجد نفسي أسمع دقات الساعة، وأرى حولي كثير من الأشياء المألوفة، كمنضدتي وأدواتي، فأكاد لا أشعر بها، كأنما أنا في حلم ... إن هذه الأشياء المألوفة لا توجد إلا في الطبقة الثانية من الشعور، كأنما هي في ظل عليها إلا الحاد الذهن والمرهف الإحساس ...الخ.

اللاشعور: أشرنا سابقا إلى أن هناك شعورا من الذات بأحوالها وأفعالها وما يلزم عن هذا هو أن الإنسان قد يعرف كل ما  يجري في حياته النفسية ودواعي سلوكه، إذ ليس هناك، كما أشار ديكارت، حياة نفسية أخرى خارج الروح إلا الحياة الفزيولوجية، فكأن الحياة النفسية مساوية ومعادلة للحياة الشعورية، وبذلك فنحن ندرك كل ما يجري في حياتنا الباطنية، وقد نعرف الداعي إلى الفعل أم الترك، لكن الأمر في الواقع ليس كذلك دائما، وقد نجد أنفسنا فرحين أو حزينين دون معرفة سبب ذلك، كما أننا نجد أنفسنا ميالين إلى بعض الأشخاص أو النفور منهم، على الرغم من أننا لم نتعامل معهم من قبل هذا بغض النظر عن بعض الأعمال التي تصدر عنا أثناء النوم كالأحلام الأمر الذي أدى إلى الاعتقاد بأن الحياة النفسية ليست مساوية للحياة الشعورية، إذ في الوقت الذي كنا نعتقد فيه أننا نعرف كل شيء، أصبحنا في هذه الحالة نجهل حدوث بعض الأشياء، فهل جهلنا هذا يرجع إلى عدم معرفتنا لها أم أن الأمر مجرد نسيان، وإذا كان كذلك، وكان السبب المنسي غير موجود تحت نظر الشعور فلابد إذن أن يكون هناك في الحياة النفسية مستوى آخر يقابل الحياة الشعورية، لا نشعر ولا نعرف أسباب صدوره وما يدور في أعماقه ثم بعد جهود كبيرة عرف هذا المستوى باللاشعور ...

مفهوم اللاشعور: اللاشعور حسب علماء النفس هو مجموعة العوامل والعمليات والدوافع التي تؤثر في سلوك الفرد وفي تفكيره ومشاعره دون أن يكون شاعرا بها أو بكيفية حدوثها وتأثيرها، هذا ما يؤكد أن الشعور واللاشعور ليسا منطقتين منعزلتين في النفس، كأنهما طابقين مستقلين في بيت يعلو أحدهما على الآخر بل هما صفتان توصف بهما العوامل والعمليات النفسية، والقول إن الكبت أو التبرير هما عمليتان غير مقصودتين، أي لا يقوم بها الفرد عن قصد ظاهر أو إرادة منه، وإذا قلنا إن العقدة النفسية استعداد لا شعور فهذا يعني أنها استعداد لا يدرك الفرد وجوده ولا يعرف كيفية تأثيره في سلوكه، والقول إن فلانا يتصرف بطريقة لا شعورية فهذا يعني أنه يتصرف بطريقة لا تسبقها رؤية أو تفكير، غير أن هناك من ينكر وجود اللاشعور، وحجتهم في ذلك أن وجود حالات نفسية لاشعورية هو شيء متناقض مع وجود النفس أو العقل القائم على إدراكه لذاته، وهناك من أكد على عدم وجود اللاشعور، ذلك لأن اللاشعور إما أن يكون نفسيا أو فيزيولوجيا كدورة الدم في الجسم وهو في هذه الحالة غير مقصود، فيبقى إذن إلا النفسي، وعندئذ فهو لا يدرك بالملاحظة الخارجية لأنه لا شعوري، فهو إذن غير موجود، بيد أنه فيما يخص الاعتراض الأول، نقول إن التناقض يزول عندما تعدل عن المساواة والمطابقة بين النفس والشعور، إذ ليس كل ما هو نفسي شعوري، بل أن ما هو نفسي أوسع بما هو شعوري، أما بالنسبة للاعتراض الثاني، فإننا نستدل بأشياء كثيرة من خلال أثرها حيث أن وجود الشيء لا يستلزم ملاحظته مما يجعلنا نفترض وراء المعلول الظاهر علة خفية، كما يحدث في الحسابات الفلكية وسقوط الأجسام، فلا أحد بشاهد الجاذبية أو التيار الكهربائي مثلا، كما لا أحد يشك في وجودهما، وبالتالي فإن القول إن اللاشعور غير موجود لأنه غير قابل للملاحظة فهذا لا يستلزم نفس اللاشعور وفعاليته، إذ ليس كل موجود قابل للملاحظة.

        
اللاشعور قبل فرويد: لم يؤكد الفلاسفة القدماء وعلماء النفس على وجود حياة نفسية لا شعورية، لكن ليبنتز و شوبنهاور وهاملتون أصروا على وجود حياة لا شعورية ببراهينهم العقلية، غير أن البرهان التجريبي دل على وجود أثر اللاشعور استنادا إلى البحوث التي كان يجريها علماء الأعصاب لمعالجة الهستيريا عن طريق التنويم، حيث كان اعتقاد الأطباء بخاصة أصحاب المدرسة العضوية الذين كانوا يرجعون أسباب الاضطرابات النفسية والعقلية إلى إصابة المخ والجهاز العصبي ومادامت هذه الاضطرابات في اعتقادهم ناشئة عن إصابات عضوية، فكانت تعالج بوسائل مادية وبعقاقير طبية، لكن الطب لم يتوقف في أمر هذه الحالات، ولم يهتد إلى وجود علل عضوية يمكن أن تفسر هذه الاضطرابات، الأمر الذي جعل الطبيب برنهايم يرجعها إلى أسباب نفسية لا عضوية، ثم لجأ إلى استخدام التنويم لمعالجة هذه الأمراض بخاصة بعدما اكتشف العلاقة بين الهستيريا و التنويم، إذ أكد على أنهما يحدثان نتيجة الإيحاء، وأن الهستيريا ما هي في الواقع إلا نوع من التنويم الذاتي تنقسم فيه النفس إلى قسمين، قسم يقوم بدور المنوم فيلتقي منه القسم الثاني الأمر بانتحال الأعراض المرضية وكل هذا يتم بطريقة لا شعورية أي لا يشعر بها صاحبها، وقد رفضت المدرسة العضوية رأي برنهايم وشاركو الأخصائي في طب الأعصاب الذي اعتبر التنويم ظاهرة فيزيولوجية، وأرجع الهستيريا إلى أسباب عضوية.


اللاشعور عند فرويد: لم تكن طريقة التنويم التي جاء بها برنهايم مجدية سواء في العلاج أو في التنويم، الشيء الذي دفع بفرويد إلى البحث عن وسيلة أخرى للعلاج وانتهى به الأمر إلى اكتشاف التحليل النفسي الذي يقوم على التنويم المغناطيسي على التداعيات الحرة فيما بعد.

افترض فرويد أن هناك نشاطا نفسيا لا شعوريا هو المسبب لبعض الاضطرابات والأمراض الهستيرية، واستطاع أن يؤكد ذلك تجريبيا، حيث لاحظ أن أعراض الاضطرابات الهستيرية يمكن إحداثها وإزالتها عن طريق الإيحاء ألتنويمي، ويستدل عن ذلك بأن الكثير من أعمالنا وميولنا لا تتمتع بشهادة الشعور، وما الأحلام والهفوات وزلات اللسان إلا مصادرا لا تعرف أسبابها، حيث أن تجاربنا الشخصية تبين أن هناك أفكارا تأتينا دون أن نعرف كيف تم إعدادها، وحتى نفهم كل هذه الأمور لابد علينا أن نربطها باللاشعور والاعتراف بأن هناك حياة لا شعورية.

 ثم تأكد له أن الحالة السوية العادية للفرد لا تعرف شيئا عن مصادر الأعراض العضوية وأن هذه المصادر ترجع إلى عهد الطفولة التي يمكن تذكرها أثناء التنويم المغناطيسي، كما تبين له أن المناقشات أو التداعيات الحرة تزيل أعراض العجز وتبددها لأن الأعراض التي تلحقها الهستيريا بوظائف الأعضاء الوهمية، حيث أنها تظهر على الشخص وكأنه مريض بأعصابه لكنه في الواقع مريض مرضا، وليست لها أية أسباب عضوية، غير أن ما لفت الانتباه أكثر إلى هذا الأمر هو حالة أولئك الجنود الأصحاء الذين كانوا يصابون فجأة بالعمى أو الصم أو الشلل نتيجة دوي القنابل دون أية إصابة حقيقية في أعضائهم وقد فسر فرويد هذه الظاهرة بعوامل نفسية ذات تأثير عضوي يمكن تطبيقها على أي تأثير يقع على أعضاء الكائن الحي بفعل مشاعره وآرائه، ومادامت هذه العوامل نفسية فإن علاجها يكون عن طريق الجهاد النفسي المؤثر في الأعضاء، وبعدما تأكد لفرويد نجاح التداعي الحر، ذهب يطلب من مرضاه أن يطلقوا العنان لأفكارهم تسترسل من تلقاء نفسها دون قيد أو شرط ودون توجيه، كما كان يطلب منهم أن يدلوا بكل كلمة تخطر ببالهم، من أفكار وذكريات ومشاعر دون إخفاء أي شيء حتى ولو بدا لا أخلاقيا أو تافها.

وباستخدام طريقة التداعي الحر اتضح لفرويد أن الأسباب التي كانت تجعل تذكر التجارب الشخصية أمرا صعبا فهي مؤلمة أو مزعجة وهذا هو سبب نسيانها وسبب الصعوبة في استرجاعها إلى الذاكرة، لذلك كان لابد من التغلب على المقاومة الشديدة التي يتولد عنها الكبت والتي تقف ضد ظهور هذه الذكريات في الشعور، فكبت هذه الرغبات والميول يجعلها تتحول عن طريقها الطبيعي وتتخذ لها منفذا من خلال طرائق شاذة غير طبيعية، هي الأعراض الهستيرية لذلك كان فرويد يلجأ إلى العلاج الكلامي أو إلى التنفيس، لأن سبر الغور هذا ما هو إلا عملية تطهير ووسيلة لاستخراج الموانع في نظام فرويد والكبت بالنسبة له يحدث نتيجة صراع بين رغبتين متضادتين، وهنا يفرق فرويد بين الصراع الذي يدور في ساحة الشعور والذي ينتهي بحكم النفس لصالح إحدى الرغبتين عن الشعور وكبتها دون استخدام الفكر في هذا الصراع مما يجعل هذه الرغبة المكبوتة تدخل في حياة شاذة في اللاشعور وتظل محتفظة بقوتها باحثة عن منفذ لإطلاق طاقتها المحبوسة، وعليه، لا تكون مهمة الطبيب في التنفيس عن الرغبات المكبوتة لإعادتها إلى الشعور مرة أخرى بل في جعل المريض يواجه الصراع من جديد بطريقة شعورية وإزالة هذا الصراع الذي فشل في إزالته سابقا وذلك بإصدار حكم تحت توجيه الطبيب، وقد سمى فرويد هذه الطريقة بالتحليل النفسي التي تتغلب على الكبت أو على الرقيب الذي يمنع استرجاع عودة الذكريات إلى الشعور.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق