الأربعاء، 4 أبريل، 2012

الإحساس والإدراك


مفهوم الإحساس: الإحساس بمفهومه الحديث هو الأثر النفسي الذي ينشأ مباشرة من انفعال حاسة أو عضو حاس الذي هو حاسة من الحواس التي تعتبر بمثابة النوافذ التي يطل منها الفرد على العالم الخارجي، والإحساس ظاهرة فيزيولوجية نفسية تعبر عن الانطباع الحاصل لإحدى حواسنا نتيجة مثير خارجي حيث أن هناك في هذا الوجود منبهات حسية تقرع حواسنا وينتقل أثرها عن طريق أعصاب خاصة إلى مراكز عصبية معينة في المخ تترجم فيه إلى حالات شعورية نوعية بسيطة تعرف بالإحساسات، كالإحساس بالألوان والأصوات الروائح والمذاقات والحرارة والبرودة والضغط هذه الإحساسات تنقسم بوجه عام إلى ثلاثة أقسام وهي كما يلي:

القسم الأول: إحساسات خارجية المصدر: وهي الإحساسات البصرية والسمعية والجلدية وتتألف الإحساسات الجلدية من الإحساس باللمس والضغط والألم والحرارة والبرودة.

القيم الثاني: إحساسات حشوية: وهي التي تنشأ من المعدة والأمعاء والقلب وغيرها من الأحشاء ومن أمثلتها الإحساس بالجوع والعطش وانقباض النفس.

القسم الثالث: إحساسات عضلية حركية: وتنشأ من تأثير أعضاء خاصة في العضلات والأوتار والمفاصل لتزويد الفرد بمعلومات عن ثقل الأشياء وضغطها وعن وضع الأطراف وحركتها واتجاهها وسرعتها وعن وضع الجسم وتوازنه وعن مدى ما يبذله من جهد ومقاومة وهو يحرك الأشياء يرفعها أو يدفعها.

الإدراك الحسي: سبق أن أشرنا إلى أن الإحساس هو انطباع يحصل لإحدى حواسنا نتيجة مثير خارجي، غير أن هذا الانطباع لا يأخذ معناه إلا بواسطة عملية أخرى تأتي بعده مباشرة، يطلق عليها اسم الإدراك الحسي الذي هو عبارة عن عملية تأويل الإحساسات تأويلا يزودنا بمعلومات عما في عالمنا الخارجي من أشياء، أو هو العملية التي تتم بها معرفتنا لما حولنا من أشياء عن طريق الحواس، كأن أدرك أن هذا الشخص الماثل أمامي أستاذ في الفلسفة، وأن ذلك الحيوان الذي أراه هو قط، وأن هذا الصوت الذي أسمعه هو صوت طائرة، وأن هذه الرائحة التي أشمها هي رائحة العطور، وكأن أدرك أن هذا التعبير الذي ألاحظه على وجه شخص ما هو تعبير عن الغضب وأن هذا الكتاب أكبر من ذلك ...

ومن هنا يتبين أننا ندرك أشياء متمايزة منفصل بعضها عن بعض، أي ندرك أشياء تنطوي على دلالة ومعنى، فمثلا لو ألقينا نظرة من النافذة لرأينا عمارات وأشخاص وسيارات متمايزة لا يتداخل بعضها في بعض، وهذه اللوحة الفنية التي أنظر إليها ليست مجرد مجموعات من أشعة وموجات ضوئية ذات ذبذبات مختلفة، بل وحدة مستقلة منفصلة عما حولها من أشياء لها معنى خاص، كذلك الحال في صوت الاستغاثة الذي أسمعه من جهة معينة، فهو ليس مجرد موجات صوتية تقرع الأذن، بل إنه صوت متمايز يبرز في مجال الإدراك على ما أسمعه من أصوات أخرى، كما أنه ينطوي على معنى خاص، أما عن الكيفية التي يتم بها هذا التحول المذهل من أشعة وموجات إلى إدراك وحدات منفصلة محددة.

نقول في بادئ الأمر إن علم النفس الترابطي كان يرى أن الأشياء تبرز في مجال إدراكنا نتيجة نشاط عقلي يربط بين إحساسات منفصلة مختلفة، ومن هذا الترابط تتألف الأشياء التي ندركها، بيد أن المدرسة الجشطلتية كانت ترى أن العالم الذي يحيط بنا عالم يتألف من أشياء ومواد ووقائع منتظمة وفق قوانين خاصة وبفعل عوامل خارجية موضوعية تشتق من طبيعة هذه الأشياء نفسها لا نتيجة نشاط عقلي، تنتظم المنبهات الحسية في وحدات تبرز في مجال إدراكنا، ثم تأتي الخبرة اليومية والتعلم فتقرع على هذه الوحدات معاني ودلالات، وفيما يلي نعرض أهم العوامل الموضوعية التي تنتظم بمقتضاها التنبيهات الحسية في وحدات مستقلة بارزة، والتي انتهت إليها مدرسة الجشطلت:

عامل التقارب: إن التنبيهات الحسية المتقاربة في مكان أو في الزمان تبدو في مجال إدراكنا وحدة مستقلة محددة وصيغة بارزة.

عامل الشمول: تميل بنا الملاحظة إلى أن ندرك النجمة نجمة لا مثلثين متداخلين، لأن النجمة تتميز باحتوائها وشمولها جميع العناصر المكونة لها.

عامل التشابه: إن التنبيهات الحسية المتشابهة في اللون أو الشكل أو الحجم أو السرعة أو الشدة وكذلك النغمات التي تعزف بآلة واحدة ندركها صيغا مستقلة وذلك لأنها متشابهة من حيث المصدر.

عامل الاتصال: إن النقط التي تصل بينها خطوط تدرك صيغة واحدة.

عامل الإغلاق: من الملاحظ أن التنبيهات والأشكال الناقصة تميل في إدراكنا إلى اكتمال فنحن نرى الدائرة التي بتر جزء منها دائرة كاملة.

إلى جانب هذه العوامل الخارجية الموضوعية المؤثرة في عملية الإدراك الحسي، فإن هناك عواملا أخرى ذاتية ترجع إلى الشخص نفسه ونذكر منها ما يلي:

عامل الذاكرة: المقصود من هذا العامل في عملية الإدراك الحسي هو أن الإنسان يدرك الأشياء التي سبق أن خبرها في الماضي أسهل من الأشياء التي لم يسبق أن مرت بخبراته، فنحن نقرأ الكلمات الإنجليزية التي سبق أن حفظناها بطريقة أسهل من الكلمات الجديدة علينا.

عامل التوقع والتهيؤ النفسي: نشير من خلال هذا العامل إلى أن الفرد يدرك الأشياء كما يتوقع أن تكون عليه، لا كما هي في ذاتها، وقد عرض باحثون مجموعة من الكلمات عديمة المعنى على  شاشة سينما على مجموعتين من الأشخاص، وقبل العرض أخبرت المجموعة الأولى على أن الكلمات التي ستعرض عليهم تدور حول وسائل المواصلات والسفر، وأخبرت المجموعة الثانية على أن الكلمات تدور حول الحيوانات والطيور.

فكانت إجابات المجموعة الأولى تدور حول وسائل المواصلات بنسبة تقدر بـ 71% بينما كانت إجابات المجموعة الثانية عبارة عن أسماء طيور وحيوانات بنسبة تقدر بـ 64%، واعتمادا على هذه التجربة نستطيع القول إن إدراك الفرد قد يتأثر بالاستعداد العقلي والتهيؤ النفسي للشخص المدرك.

 عامل الحالة الجسمية والنفسية: كذلك يتأثر إدراكنا للعالم الخارجي بحالاتنا الجسمية والنفسية أثناء عملية الإدراك، حيث عرض بعض الباحثين عدة صور وراء زجاج غير شفاف على جماعة من الأطفال في حالة جوع شديدة، فأدرك هؤلاء الأطفال الصور مأكولات وفواكه وأطعمة، هذا كما يتأثر الإدراك بالاتجاهات العقائد والعواطف والميول والنزعات الشخصية للفرد.

الإدراك عملية تأويل: قد ينظر الطفل الصغير إلى لعبة ما فيراها أشياء مجسمة لكنه لا يدركها وهو يسمعنا نتحدث لكنه لا يدرك ما نقول، فعليه إذن أن يبدأ في تعلم أسماء الأشياء وخواصها واستعمالاتها، كما عليه أيضا أن يتعلم معاني الألفاظ التي يسمعها ومعاني الكلمات التي يراها مكتوبة ولا شك أن بعض المعاني تكون فطرية غريزية عند الحيوانات الدنيا فالطائر يستجيب بالغريزة، أي دون تعلم سابق للمواد التي يبني بها عشه كما لو كان يعرفها، لكن الإنسان عليه أن يتعلم الغالبية العظمى من هذه المعاني كي يستطيع التأويل على الفور ما يبرز في مجال إدراكه من صيغ إن كانت صيغا مألوفة له، فإن كانت الصيغ غريبة أو جديدة أو معقدة، يصعب عليه عندئذ إضفاء معنى عليها، فهو بذلك يحتاج إلى شيء من الوقت والجهد والتحليل حتى يتضح له معناها.

ونحن الكبار حين نكون بصدد شيء مبهم غامض أو غريب ينفتح أمامنا المجال لنأوله تأويلات شتى، وهي تأويلات تتوقف على حالاتنا النفسية والمزاجية الدائمة والمؤقتة، الشعورية واللاشعورية، نئول الحاضر في ضوء الماضي وخبرتنا السابقة، فهذا الصوت الذي أسمعه من بعيد أدركه قطار مقبلا أو مدبرا أو صوت طائرة أو سيارة من نوعا ما، وقد لا ندرك ما يدركه الفلكي في السماء، كما لا ندرك في السيارة ما يدركه الميكانيكي، ولا ندرك في اللحن الموسيقي ما يدركه الفنان، وقد ندرك أشياء ونعرفها من خبرتنا السابقة قد لا يدركها أشخاص آخرون، وعليه نقول: إن الناس مختلفون في إدراكهم للشيء الواحد اختلافا كبيرا أو متوسطا أو ضئيلا وذلك لما بينهم من فروق فردية في السن والخبرة والذكاء والثقافة والمعتقدات ووجهات النظر ...

وحوصلة  القول هو أن الإدراك ليس كالإحساس الذي هو عبارة عن عملية تسقط فيها موضوعات العالم الخارجي على حواسنا المختلفة فالإدراك عملية معقدة لا تتلخص في مجرد استقبال انطباعات حسية، حيث تتداخل فيه الذاكرة والمخيلة وإدراك العلاقات في تأويل ما ندركه، فالعقل يضيف ويحذف وينظم ويأول ما يتأثر به من انطباعات حسية، فإذا كانا دون الإحساس لا ندرك شيئا فنحن بالإحساس وحده لا ندرك شيئا، وهذا يعني أن نشاط الحواس ليس كل شيء في عملية الإدراك، وبعبارة أخرى نقول: إنه ليس من اللازم أن تؤدي كل إثارة لإحدى الحواس إلى إدراك، أي لكي يتم الشعور بالمثير الخارجي فلابد من توفر عنصر الشعور لدى الفرد حتى يتم إدراك المثير ولابد من النضج الفكري حتى يتميز ويأخذ معنى مطابقا ولابد من وجود الذاكرة ليحفظ ويتحول إلى خبرة جديدة لتتشكل لديه صيغة منظمة متماسكة من مجموعة الأجزاء المتفاعلة.
ومن أبرز خصائص الصيغة أنها ليست عبارة عن مجموعة الأجزاء المرصوصة رصا أو مجموعة تجميعا آليا، بل أن هذه الأجزاء متفاعلة يؤثر بعضها في بعض وبينها علاقات تجمعها وحدة معينة، وعلى هذا الأساس فليست الصيغة مجرد مجموعة أجزاء، بل هي صفات غير صفات الأجزاء، فالمربع الهندسي صيغة له خصائص لا توجد في كل خط من خطوطه الأربعة على حده، فالصيغة هي التي تعطي الأجزاء معناها وصفاتها، فليس للأجزاء صفات أو وظائف مطلقة وإنما هي تشتق معناها من الكل الذي يحتويها.

واعتمادا على ما سبق ذكره نقول: إن الإدراك يسير من الكل إلى الجزء من المجمل إلى المفصل، فحينما ينظر الإنسان إلى صورة أو إلى منظر طبيعي لكان أول ما يراه من الصور أو المنظر انطباعا عاما مجملا، فلو أطال النظر والتأمل أخذت تفاصيل الصورة أو المنظر تثبت إلى عينيه واحدة بعد الأخرى، وقد يستطيع بعض الرعاة إدراك نقص القطيع دون تعداده، ذلك لأن النظرة الإجمالية العمة والإدراك الإجمالي العام سابق التحليل والتعرف على الأجزاء.

أما إذا تكلمنا عن الخداع أو الخطأ في الإدراك فإننا نقول في بادئ الأمر أن الخطأ في الإدراك قد يرجع إلى مرض الحواس نفسها فضعف الإبصار وعمى الألوان وقصر النظر وغير ذلك من الأمراض تؤثر تأثيرا سلبيا في عملية الإدراك، أما الخداع فإنه سوء تأويل للواقع كأن تسمع صرير الباب فتظنه صديقا يناديك أو شخصا آخر يتحدث، أما جميع المؤثرات الصوتية والبصرية التي تستخدم في التلفزة والسينما والرسوم المتحركة ما هي إلا خداع معروض عرضا بارعا، وقد يرجع الخداع في عملية الإدراك إلى عوامل خارجية فيزيقية وأخرى ذاتية نفسية، فمن الخداع الفيزيقي رؤية القلم منكسر في الماء، ومن الخداع النفسي ما يرجع إلى العادة والألفة، كالخداع الذي يعرف بخداع أرسطو بحيث إذا وضعت قلما بين السبابة والوسطى وراكب أحدهما فوق الآخر لأدركت أنك تمسك قلمين أثنين لا قلما واحدا، وهناك أيضا ما يرجع إلى التوقع والتهيؤ الذهني وإلى الانطباعات الإجمالية أو ما يسمى بالخداع البصري الهندسي الذي يعرف بخداع ميلر لير.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق